كيف تكون حال الرضيع إذا فارقته أمه إلى المشفى لتلقي علاج طويل؟ وأية مشاعر تنتاب الأم، والأب، وأية حال يكون عليها الطفل أو (الفطيم) في ذلك الموقف الصعب؟
تحت عنوان: وحشة الليالي الواجئة (أي المقفرة والموحشة) نظم الدكتور سليمان داوود قصيدة حزينة تجتمع فيها الأوصاف الدقيقة بالمشاعر القوية وتنتقل الصورة بين أركان هذه الحالة من الأم المريضة والأب الحزين على زوجته من جهة وعلى ولده من جهة، ومن الطفل الذي لا يزال فطيماً (قد فطمته أمه حديثاً).غادر د. سليمان داوود لبنان سنة 1908 فنزل نيويورك ثم انتقل إلى جوار بعض أقاربه في منيسوتا، ودرس الطب هناك وتخرج سنة 1916، وفي السنة نفسها تزوج قريبته التي كان يشير إليها في أشعاره بلقب (الأقحوانة) ورزق بابن واحد وثلاث بنات.وفي 1966 توفيت زوجته عن مرض عضال، فرثاها، وتحدث عنها وعن أولادهما في ديوانه المطبوع في ثلاثة أجزاء: (ديوان: أغاني المزرعة)والقصيدة تنحو منحى القصة الشعرية: تبدأ بالكلام على الطفل الفطيم الذي يعاني من غياب أمه التي تحبه وتتعلق به، والتي لقي منها كل ما ينبغي له من العطف والحنان والرعاية؛ فإذا ناداها الآن لم يجبه إلا صدى صوته وغاب عنه صوت أمه:
وطفلٍ في مَرابعهِ فطيم
يصارعه نوَى أُمٍّ رؤوم
أَوى ليلاً فما في الرّبع أُنس
تعوّده من الزمن القديم
بشاشة وجهها البسّام حاكتْ
نضيرَ الورد في روض الشميمِ
وأغنية تردّدها المثاني
على وتدٍ بمسمعه مُقيم
وإشعاع كنور الشمس يبدو
إذا غابت ذكاء ورا السَّديم
فهذه من أوصاف الأم في خلد ابنها الصغير من بشاشة وابتسامة كالورد الناضر وصوت شجي يؤنسه، ونور كأنه نور الشمس، ولكنه يبقى بعد أُفول ذكاء (وهو من أسماء الشمس).
ويذكر الشاعر معاناة الطفل في تلك السن المبكرة، وهو أحوج ما يكون إلى وجود أمه إلى جانبه:
يفتش في زوايا البيت عنها
ولم يبصر سوى قَفْر رميم
يُنَادي أُمَّهُ في داَجي ليل
فَرَدّ له النَداءَ صَدى الوُجومِ
يمرُّ بغرفةٍ ويطوف أُخرى
يلامسُ فيهما نارَ الجحيم
فيبكي مُعولاً ويصيح: ويلي
أنا يا أُمّ في غلّ الظّلومِ!
نظمتُ الدُمع سمطاً فوق خدّي
فبعثر حبكه فرطُ النّظيم
والأبيات كثيرة في هذا الجانب الذي يصور حال الطفل البائس في هذه الحال، ويصف مشاعره الإنسانية، ويجعلها الشاعر قريبة من مشاعر الفتى الواعي، فكأن الشاعر يريد أن يبرز تلك الصورة ويستدر عطف القارئ لتلك الحال الصعبة، ويجعل الطفل يقول:
وحيداً بتُّ في حيّ غريب
بعيداً عن قريبٍ أو حَمِيمِ
ويظهر الأب في الصورة وهو يحادث ابنه:
رويدك يا بنيّ وليس يدري
سوى الشعراء آلام الفطيم
صروف الدهر أجلته قصياً
عن الثدي المقدَّس والكريم
ويتذكر الشاعر أم الطفل، زوجته الأقحوانة، ويخاطب الطفل من وراء ذلك المشهد بكل ما فيه:
لك الرحمان من طفل شريدٍ
يعاني وحشة القلب الرحيم
وقد جعل الشاعر الطفل مشرداً، بمعنى بعد أمه عنه، ومعاناته الوحدة والفراق ثم إن الأب (الشاعر) يأمل بعودة قريبة لأم الطفل بعد علاجها وحين ذاك تتبدل الحال غير الحال:
يُبدّل ليلك الداجي بفجرٍ
يمُدّ ضياءه زيت الرُّسوم
فترتشف الأطايب من كؤوس
تطوف على الدُّنا بيد النّديم
ويشرق حيّ دارك مهرجاناً
بعود الرئم قاطفة النّجوم
وفي ختام تلك القصة تسجيل للنهاية السعيدة بالشفاء واستجابة الدعاء:
أجاب الدمع رَبُّك من عُلاهُ
فحمداً للإله وللحكيم
والحكيم في التعبير الشامي (السوري اللبناني) هو الطبيب.
أ.د محمد رضوان الداية

