الشيخ الإمام «محمد عبده» يعرفه تاريخ الفكر الإسلامي في العصر الحديث رائداً مجدداً، ومصلحاً نافذ البصيرة، وزعيماً مؤثراً من زعماء النهضة العربية الحديثة..فوق ذلك، كان الإمام كاتباً أديباً، صاحب «أسلوب ذي سطوة»، كما وصفه بعض الأدباء، فصيح البيان، عميق التأثير في إنهاض اللغة العربية من ركودها السقيم الطويل في وهدة التخلف.وكان أيضاً شاعراً، وإن لم تؤثر له سوى قصيدة طويلة في مئة وخمسة عشر بيتاً، جاشت بها نفسه وهو في السجن، ضمن مذكرات ورسائل إلى بعض خلصائه، وبضعة أبيات في مرضه..

والشيخ الإمام في كل تلك الجوانب لم يكن أسير حدود وطنه الصغير مصر، وإنما سرى إشعاعه وتأثيره إلى أنحاء وطنه الكبير العربي والإسلامي، ليس فقط على صفحات المجلات، وفي صدور تلاميذه من كل حدب وصوب، وإنما أيضاً من خلال تنقله وترحاله، وبخاصة أثناء سنوات نفيه التي امتدت إلى ست سنوات، فكان بذلك مفكراً و«أديباً بلا حدود».في سنة 1849، بقرية «محلة نصر» بمحافظة «البحيرة»، وفي أسرة رقيقة الحال، ولد «محمد عبده». وفي البيت تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، ثم انتقل إلى «الجامع الأحمدي بطنطا»، فصدمته طريقة التعليم وصرفته عن طلب العلم، فعاد إلى قريته وتزوج، وكادت موهبته تتبدد لولا أن قيض الله له أحد أقاربه، وكان رجلاً صوفياً صافي النفس أوتي شيئاً من العلم والخبرة بالحياة، فأعاده إلى الدراسة.

ومن «الجامع الأحمدي بطنطا» ارتحل إلى «الأزهر» بالقاهرة، ولم يكن حاله أفضل، ولكن الفتى صبر، وازداد وعيه بضرورة تغيير واقع الأزهر، وواقع تخلف رجاله في فهم حقائق الإسلام الأصيلة، وواقع تخلف حياة المسلمين وبعدهم عن جوهر الإسلام: عقيدة وفكراً وأخلاقاً ومعاملات، وواقع معاناة الوطن بين مطرقة الاستبداد والاستغلال والسيطرة الاستعمارية، وسندان الفقر والجهل.

ثم جاء «جمال الدين الأفغاني»، الذي يقول عنه الشيخ: «جاء إلى هذه الديار رجل غريب بصير بالدين، عارف بأحوال الأمم، واسع الاطلاع، جم المعارف، جريء القلب، وهو المعروف بالسيد جمال الدين الأفغاني. فكان يحضر دروسه كثير من طلبة العلم والعلماء وغيرهم. وهو في جميع أوقات اجتماعه مع الناس لا يسأم من الكلام فيما ينير العقل، أو يطهر العقيدة، أو يذهب بالنفس إلى معالي الأمور، أو يستلفت النظر في الشؤون العامة مما يمس مصلحة البلاد وسكانها. فاستيقظت مشاعر، وانتبهت عقول، وخف حجاب الغفلة، في أجزاء متعددة من البلاد، خصوصاً في القاهرة».

وهكذا، وعلى امتداد أكثر من ثماني سنوات، عاش الشيخ «محمد عبده» مع «الأفغاني»، تلميذاً وصاحباً، ومن مناهله الثرة نهل وارتوى.وحصل الشيخ على شهادة «العالمية»، على الرغم ممن ضايقوه بسبب صحبته «للأفغاني»، وبسبب ما راح يكتبه من مقالات داعية إلى تحرير الفكر ونشر العلوم الحديثة.وعين الشيخ مدرساً للتاريخ «بدار العلوم»، ومدرساً للغة «بمدرسة الألسن»، بينما راح ـــ في رحاب الأزهر ـــ يلقى دروساً في التوحيد والمنطق والأخلاق وتفسير القرآن الكريم.

سرى صوت «الأفغاني» وصاحبه «محمد عبده» في البيئة المتعطشة، وبدأت الأذهان تتفتح لهما، فارتاعت سلطات الحكام الطغاة. وفجأة أخذ «الأفغاني» من بيته وأبعد عن مصر، ومنع «محمد عبده» من التدريس بالأزهر، بل حددت إقامته في قريته.لكنهم ما لبثوا أن اكتفوا بإبعاده عن التعليم، وعينوه محرراً، فرئيساً لتحرير الجريدة الرسمية «الوقائع المصرية»، فجعلها المفكر العالم الداعية الأديب منبراً للرأي الحر والدعوة إلى الإصلاح.

فلما اشتعلت الثورة العرابية، كان الشيخ في مقدمة دعاتها ومن أعلى أصواتها، وحين فشلت ووقعت البلاد فريسة الاحتلال ونفى زعماء الثورة، زج به في سجن الطغاة، أكثر من ثلاثة أشهر قبل أن يحكم عليه بالنفي مدة ثلاث سنوات.كان ترحيله من مصر بداية مرحلة جديدة اتسعت فيها دائرة تأثيره في البلاد العربية، «بلا حدود».في «بيروت» حط الشيخ «محمد عبده» رحاله، أكثر من ست سنوات، خلالها ارتحل فترات إلى «فرنسا»، وإلى «تونس».

في «بيروت»، و«سوريا» ولقي ترحيباً حاراً، وإعجاباً بعلمه وفضله، الذي كان أستاذه «الأفغاني» قد أشار إليه عند إبعاده عن مصر: «لقد تركت لكم الشيخ محمد عبده. وكفى به لمصر عالماً».اختار الشيخ العمل بالتدريس، والكتابة والتأليف، إضافة إلى عطائه التنويري والثقافي: الديني والأدبي، وبث الوعي الإصلاحي في نفوس قاصدي مجلسه في داره، الذي كان منتدى علمياً وأدبياً مرموقاً في بيروت، كما تزوج لبنانية بعد وفاة زوجته.

وفي بيروت توثقت صلاته بأعلام البلاد، ويكفي مثلاً على ذلك بأسرة «شكيب أرسلان»، الزعيم الدرزي وأمير البيان كما عرف فيما بعد. لقد تعلق «شكيب» بالشيخ، وتتلمذ على يديه في «المدرسة السلطانية ببيروت»، وتأثر بكل جوانب شخصيته وبكل ما كتب، وبأسلوبه وفكره وآرائه.وفوق ذلك كان للشيخ «محمد عبده» مبادرات إصلاحية مرموقة فقد كتب في «بيروت» لائحتين: أولاهما لشيخ الإسلام في الآستانة، لإصلاح ما انتاب الدولة العثمانية التي تضم الشعوب الإسلامية من أسقام وفوضى وفساد ومظالم.

أما اللائحة الثانية فكانت موجهة إلى والي بيروت مطالباً بإصلاح القطر السوري.في عام 1884، لحق الشيخ «محمد عبده» بأستاذه وصديقه «جمال الدين الأفغاني» الذي سبقه إلى «باريس»، حيث أصدرا درة أعمالهما معاً، جريدة «العروة الوثقى»، لتكون صوت الجمعية السرية التي أسسها الأفغاني بالاسم نفسه، بهدف الدعوة لتجديد الفكر الإسلامي، والإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي، ومحاربة الاستعمار والاستبداد والفساد.

كشعاع من نور قوي سرت «العروة الوثقى» إلى أنحاء العالم الإسلامي الذي نظرت إليه كوحدة وكيان واحد، وفي ذلك تقول: «بلغ الإجحاف بالشرقيين غايته، ووصل العدوان فيهم نهايته، وأدرك المتغلب عليهم نكايته، خصوصاً في المسلمين منهم». وفي هدفها تقول: عملها سكب مياه النصح على لهيب الضغائن، لتتلاقى قلوب الشرقيين عموماً على الصفاء والوداد. تلتمس من أبناء الأمم الشرقية أن يلقوا سلاح التنازع بينهم، ويأخذوا حذرهم وأسلحتهم، لدفع الضواري التي فغرت أفواهها لالتهامهم..».

كانت «العروة الوثقى» ترسل مجاناً لأعضاء الجمعية والمثقفين المهتمين بهموم الأمة والإصلاح، فحاربتها قوى الظلام وحظر دخولها مصر وتقرر معاقبة من تضبط عنده، لكنها عرفت طريقها إلى العقول والقلوب، فقد تجلت فيها أصالة الأفكار ونبلها، وقوة الأسلوب. وحسن بيان لغتها، المعروف عن «محررها الأول شيخنا محمد عبده».لم تف الإمكانيات المتاحة للعالمين المنفيين باستمرار إصدار الجريدة، فتوقفت بعد ثمانية عشر عدداً فقط. وبتوقفها أخذت الحياة كلا من الرفيقين في طريق فافترقا ولم يقدر لهما لقاء من بعد.

في العام نفسه ـــ 1884 ـــ سافر الشيخ «محمد عبده» من «باريس» إلى «تونس»، حيث أقام أربعين يوماً، تعرف فيها إلى صفوة القوم، من الملك إلى علماء «الزيتونة» و«الخلدونية»، وحضر دروساً، وفاض رأياً وعلماً، واختلى في اجتماعات متواصلة بأعضاء جمعية «العروة الوثقى» لبحث أحوال بلاد المسلمين وفي مقدمتها «تونس».

ويروي التاريخ أنه لم تمض شهور قليلة، على سفره من «تونس»، حتى تفجرت حركة احتجاجية ومظاهرات أرغمت الحكومة على تنفيذ مطالبها الإصلاحية.لقد كانت زيارة الشيخ «محمد عبده» «لتونس» زيارة تأسيسية واستنهاضية، بذر فيها بذوراً سرعان ما تفتحت رجالاً ودعاة وأدباء قادوا حركة النهضة، في تونس وبلاد العروبة كلها.

وقد ظلت «تونس» خافقة القلب بحبه وتقديره، فزارها بعد انتهاء محنة نفيه وتقلده منصب المفتي الأكبر لمصر. كانت زيارته الثانية عام 1903، «وقد اهتزت لمقدمه أندية العلم والأدب والإصلاح، وأقبل على الترحيب به واستضافته عظماء البلاد وعلماؤها» على حد تعبير الأديب التونسي الكبير «محمد الفاضل بن عاشور».

ومن «تونس» زار «الجزائر». وكانت زيارته ـــ برغم أنف الاحتلال المستبد ــ ذات أثر عميق في شد أزر روح الوعي العربي الإسلامي الذي كان يتهيأ للمقاومة التاريخية العظيمة التي كانت تحتشد في ضمائر الشعب وقادته من العلماء والأدباء. وكان يرجو أن يزور «المغرب»، لكنه لم يتمكن من تحقيق بغيته.

عاد الشيخ «محمد عبده» من زيارته التاريخية الأولى إلى مقره الحاني في منفاه: «بيروت»، حيث واصل دوره التعليمي والتنويري والعلمي والإصلاحي، وأنجز فيه أعمالاً مرموقة، مثل دروسه في تفسير القرآن الكريم تفسيراً عصرياً، ومشاركته في تحرير مجلة «ثمرات الفنون» البيروتية، وتحقيق ونشر عدد من كتب التراث، وتربية وتعليم أجيال برز منها فيما بعد قادة رأي مرموقون.

وفي عام 1889، أذن له بالعودة إلى الوطن، حيث اشتغل بالقضاء، وضرب مثالاً متفرداً في العدل والحكمة والتنوير في مجاله، كما واصل رسالته في التربية والتعليم، وجهود إصلاح شؤون الأزهر، وتحقيق بعض كتب التراث، والنهوض باللغة العربية وآدابها، وتوعية الرأي العام. ولم ينس حبه للقلم، فمضى يكتب المقالات الشائقة في «المنار»، وفي مجلة الجامعة العثمانية« بالإسكندرية، وفي جريدة «المؤيد» التي كانت أثيرة عنده. ثم توج ذلك كله بتعيينه مفتياً للديار المصرية.

وفي الحادي عشر من يوليه سنة 1905، اشتد عليه المرض، وأسلم الروح، طاوياً صحفاً كانت بحق ملحمة من الجهاد النبيل الذي لا تزال ثماره تغذي الفكر الإسلامي حتى اليوم.

وهكذا كان «الشيخ محمد عبده»، بتأثيره الواسع في أنحاء العالم العربي والإسلامي، وبترحاله الاستنهاضي البناء في بيروت وباريس ولندن وتونس والجزائر، وفي رعايته النبيلة لكثير من الأدباء والعلماء من مشرق الوطن العربي ومغربه، وبنهضته الكبيرة باللغة العربية في الدواوين والصحافة والأدب.. كان بحق عالماً رائداً و«أديباً بلا حدود».

عبدالوهاب قتاية