أكد د. نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق أن الإعلام الإسلامي يعاني في هذه الأيام من قصور وضعف في خطابه للآخر الذي لا يفهم لغته، وأنه لا يتقن أدوات الخطاب في هذا الإطار، وأن المشكلات التي يعاني منها المسلمون ناتجة في مجملها عن ضعف هذا الخطاب، وفشله في القدرة على الوصول إلى المتلقي الغربي، الذي يعاني عزلة بالنسبة للإسلام، إضافة إلى التغييب، حيث إن الإنسان مأخوذ قسرا إلى وسائل إعلام تخدعه وتصف له الإسلام بأنه مذهب سياسي يسعى معتنقوه إلى إقرار العنف كوسيلة للتعاون مع غيرهم.
وأشار د. نصر إلى أن الأزهر مصدر التراث الوسطي الإسلامي المعتدل، ومن ثم يعاني هذه الأيام من هجمة شرسة ممن لا يريدون لهذه الثقافة المعتدلة أن تنتشر، موضحا أن الأزهر كغيره من المجتمعات الإنسانية ليس مجتمعاً ملائكياً، وبالتالي لا يجوز أبدا الحكم بالتطرف والتشدد كونه يوجد به بعض المتشددين أو المتطرفين وهم قلة.وأضاف: لا يليق بأي حال من الأحوال أن يطالب البعض بإقالة د. على جمعة ــ مفتي الديار المصرية ــ لكونه أبدى برأي معين، نظرا لأن المفتي على درجة كبيرة من العلم والكفاءة، وهو مؤهل لذلك إضافة إلى أنه رجل فاضل وعلي خلق، وفي ذات الوقت لا تصدر عنه الفتوى إلا إذا فحصها جيداً ومحصها بإتقان، وأخذ بالرأي إذا عرضت على مجمع البحوث الإسلامية.
• ماذا تقول في الهجمة الغربية على الإسلام؟
ــ اعتقد أن هذا الصراع يأتي في إطار الصراع السياسي الإسلامي الغربي، وهو صراع قديم وراء هذه الهجمة على الإسلام والمسلمين، والقصد منها هو الجانب السياسي لإضعاف المسلمين، وذلك تحت غطاء ديني، فنحن نعلم جميعا ما وراء هذه الهجمة الصهيونية العالمية.
وكما نعلم الآن هي التي تسيطر على كل إمكانيات الجانب المادي والعلمي والثقافي والسياسي على مستوى العالم، فهي تقف مسؤولة عن وصول الأصولية الأميركية إلى سدة الحكم، وهي التي قادت هذه المجموعة في أفغانستان ثم العراق ثم في الصومال وفى فلسطين ولبنان، كل مشاكل العالم كلها الآن أميركا وإدارتها الأصولية، الذي يحكمها أساسا الصهيونية العالمية.
• هل ترى الإعلام الإسلامي مقصرا؟
ــ طبعا مقصر جدا، لأنه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم»، وكما قال أيضا: «من تعلم لغة قوما آمن مكرهم»، فنحن نخاطب أنفسنا الآن، ومن ثم فالخطاب الديني والإعلامي لا يتناسب مع العصر، فأغلب العامة من الغرب لا يعرفون أن الإسلام دين وصاحب عقيدة وصاحب منهج سياسي.
وأن هذا المنهج السياسي يراد به تنظيم الحياة لصالح الإنسان، وأن هذا الدين جعل البشرية كلها في أخوة إنسانية، وأنه لا فرق بين أبيض أو أسود ولا بين مسلم ومسيحي ويهودي، لأن البشر كلهم عباد الله وخلقه، وأن الأرض خلقت لهم، والله استخلف الإنسان بصفة إنسانية بني آدم، وبني أدم كل أولاد أدم كلهم هؤلاء هم الخلفاء استخلفهم الله في الأرض، لقوله تعالى: «وجعلنا في الأرض خليفة».
حكمة وموعظة
• كيف ترى حال الإعلام الإسلامي؟
ــ عندما نخاطب الشعوب يجب أن نخاطبهم بلغتهم، لكي نصل إليهم إعلاميا بكل وسائل الإعلام، فالمخاطبة يجب أن يتوافر فيها شرطان، أولهما، أن يكون الخطاب بمفردات مفهومة للآخر، وثانيهما، أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة، فالإسلام ميسر، وكما نعلم الآن يوجد ما يطلق عليه الديمقراطية الغربية، ولكن الذي يسيطر على هذه الديمقراطية هو رأس المال القوى، الذي يؤثر في كل أمر من أمور هذه الحياة.
ومن ثم تسعى بعض وسائل الإعلام الموجهة سواء بالشرق أو بالغرب لإظهار أن الإسلام والمسلمين هم شعوب متخلفة وأهل إرهاب، وأن هذا الدين ليس دين ذات أصول دينية، وأنه ليس هناك إلا اليهودية والمسيحية على سبيل المثال عند عامة الشعب، هكذا، نحن مقصرون في خطاب هؤلاء الناس.
• ما هي مقومات الديمقراطية في الإسلام؟
ــ أمر الله المسلمين أن يسعوا بكل جهودهم لكفالة سيادة السلام الاجتماعي بالمجتمع، ويدعوهم في ذلك إلى اختيار الحاكم بطريقة انتخاب حرة ونزيهة، وفي هذه الحالة يجب الطاعة له لأن الله سبحانه وتعالى قال: «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»، وهنا أصبح جانب عقائدي أن الإنسان المسلم ليس بمقدوره الخروج عن الحاكم، ويعني ذلك أن يصبح الحاكم في خدمة الرعية، إذن لابد وأن يحقق الشورى ويحقق الديمقراطية.
وأمامنا نماذج مثل عمر بن الخطاب وأبوبكر الصديق وكل هؤلاء كانوا يحققون العدل من خلال القرآن الكريم ومن خلال السنة، وربما يكون التخبط السياسي الذي نعيشه يقف وراء الفقر والجهل والتخلف الذي ينتشر في العالم العربي والإسلامي، رغم وجود مصادر القوة المادية الرهيبة الكامنة في هذه الدول، فالمسلمون قوة اقتصادية وبشرية وثقافية وعقيدية ومع ذلك نجد هذا الانهزام الرهيب يقف وراء الضعف.
• كيف تري السبيل المناسب لترجمة مصادر القوة إلى قوة فعلية؟
ــ يجب أن نعود إلى ديننا، فالآن يوجد الكثير ممن يحاربونه من الداخل والخارج، لأجل عدم تطبيقه تطبيقاً عملياً في مختلف مجالات الحياة، وهذا أحد أهم أسباب ضعفنا، ففي الخارج يرجون فكر مفاده أن التأثر بالمبادئ الإسلامية أصبحت لا تناسب العصر، كذلك يردد أغلب العلمانيين في الداخل هذا الكلام.
وللأسف نحن نسير وراء هذه الثقافات الغربية الوافدة، التي ننشرها لغيرنا حتى تصبح وكأنها شيء منا ونترك تراثنا الذي كان لنا القوة أمام أنفسنا وأمام أعدائنا، فنحن الآن لا يمكن أن نخاطب الآخرين إلا بلغتهم، فلابد من خطاب إعلامي بلغة الآخر، لإعلامه أن سبب الضعف الذي حل بنا في كل جانب، ناتج عن ابتعاد المسلمين عن الإسلام.
وأن الإسلام والسلام وجهان لعملة واحدة، وأن الإسلام يتعامل دائما مع غير المسلمين بصفتهم الإنسانية بغض النظر عن العقيدة أو اللون أو الجنس، ودائما يسعى لخلق علاقة توازنية بين الإنسان والطبيعة لتستقيم الحياة، وأن الإنسان هو الذي يسخر الحياة، فلابد .
وأن يكون هناك توافق، وأنه اختل عنصر منهما فلا يمكن أن تستمر الحياة، وهذه النظرة هي نظرة اقتصادية وعلمية وواقعية، فكلمة العالمية بالمفهوم الديني تعني تجمع العالم أي تجمعه في إطار وحدة ثقافية واقتصادية وأخلاقية وإنسانية، وليس معنى ذلك أن كل منهما يأكل حق الآخر، فلابد وأن توجد ضوابط وأن توجد حقوق إنسان كاملة، وهذا من الممكن أن يتحقق.
• لماذا لا يتحقق شيء من هذه الوحدة؟
ــ للأسف، العالمية الآن تفرض بقوة السلاح من أجل السيطرة على الجانب الاقتصادي، وحتى يظل الفقراء فقراء ويزيد الأقوياء قوة على قوتهم، ومن ثم ظهر مصطلح بديل عن العالمية وهو العولمة، تلك التي يراد منها أن يظل هذا العالم المتخلف متخلفا يزداد فقرا يوما بعد يوم، ليكون هذا العالم مجرد سوق اقتصادية مستهلكة فقط لما ينتجه الأقوياء ويعجزون عن تقديم أي شيء.
ولا يملكون إلا بالمقدر الذي يكفيهم للعيش فقط، حتى لا يموتوا، لأنهم لو ماتوا سوف يعود الأمر سلبا على الجانب الآخر، لذلك لابد أن نعي جيدا دلالات هذا المفهوم، وبالإدراك الجيد من الممكن أن يتغير الوضع، وبالتالي ينظر إلينا الآخرين نظرة صحيحة، لأنه لا يمكن أن يكون موقف شعوب الغرب وليس ساسته وحكامه سلبيا من الإسلام عندما يعلمون أن السلعة التي ينتجها من الممكن ألا استهلكها ولا يجد هو فرصة عمل، وسوف يعلم جيدا أنه من الضروري أن يكون هناك تعاون، لقوله تعالي: «ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات ليتخذ بعضكم بعضا...».
ولابد أن يتعاون الجميع لقوله عز وجل: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، والتعارف هنا يعني التعاون في كل وسائل المعارف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدبلوماسية، فالتعارف لا يعني أن يعرف كل منا الآخر، بل أن يتعاون معه وليكون تبادل الخبرات والمنافع بين أبناء المعمورة.
• هل يعلم أهل الغرب ذلك؟
ـــ لو علموا ذلك لغيروا وجهة نظرهم للإسلام والمسلمين، وانظر إلى الغرب والشرق وموقفهم من إسرائيل على سبيل المثال ستجد للأسف أنه إذا كانت الشعوب لديها القدرة والغلبة في الجانب السياسي ويعلمون حقا أننا على حق وأهل فلسطين على حق، سوف تجبر هذه الشعوب حكامهم على أن يكونوا مع الحق والعدل، لكن الآن ليس هناك حق ولا عدل إنما هناك عدل القوة وحق المصالح، وعدل المستعمر وعدل الظالم الغاشم.
• لماذا يستهدف الأزهر من الداخل والخارج في الآونة الأخيرة؟
ـــ الأزهر هو منتج الثقافات الإسلامية العقائدية والإنسانية والعلمية على النمط الوسطي المعتدل، فالأزهر يعد مصدر هذا التراث الوسطي الإسلامي المعتدل، الذي يضم كل هذه المذاهب بعيدا عن التعصب لمذهب بعينه أو سياسة ضد أخرى، فهو المؤسسة الأولي في العالم التي تدعو إلى الأمن والحياة الكريمة والحوار والتعاون على أساس جلب المنافع والخيرات لكل أبناء آدم وليس المسلمين فحسب.
فالمؤسسة الأزهرية تقدم العلوم العقائدية والعلمية والدعوية في مختلف فروع الثقافة عامة وخاصة، وفي كل أمور الحياة، الأزهر يجمع كل العلوم ويدرسها وله تراثه المحلي والعالمي يقضوا على مصدر هذه الثقافة الوسطية حتى تنشأ الثقافة، التي يوجد بها تعصب وتكفير وخروج عن الدين، وبالتالي فهم يسعون وراء تفريغ الأزهر من الرسالة التي يضطلع بها منذ قرون عدة مضت. التقريب بين المذاهب.
• كيف ترى دعوات التقريب بين المذاهب الإسلامية التي طفت على السطح هذه الأيام؟
ــ الإسلام يدعو للتقريب، فالتقريب معناه ببساطة شديدة يعني محاولة التقريب بين وجهات النظر في الأمور التي فيها خلاف سواء كان الخلاف فقهيا، وأنا اعتقد أنه للأسف أن الخلاف القائم بين السنة والشيعة في هذه الآونة بالنسبة للأمر المذهبي أمر بسيط وميسر، وعندما نبحث في المذاهب الفقهية تجد التعارض والاختلاف في أمور بسيطة للغاية.
ففي كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر يتم تدريس المذاهب الفقهية جميعها بلا استثناء بما فيها المذهب الشيعي بكل فروعه الثلاثة، ولذلك لا نجد في مجال الجانب الفقهي أمورا تمنع التقريب، إنما الخلاف يكون على حسب الدليل الشرعي بين المذاهب، وهي قرآن وسنة وإجماع، ونحن نرجح ما نراه مناسبا وفقاً للمسألة فليس هناك حساسية في الأمر، إلا أن هناك بعض الأمور العالقة التي تتعلق بالجانب السياسي وبأمور الحكم، وهذا الأمر يحدث فيه الخلاف فقط لأنه في نظرنا كأهل الإجماع أن الحاكم مجتهد وأن الذي يأتي به هم الشعب.
ولابد أن يكون هناك رضاء شعبي عنه، ولابد أن يكون مؤهلا لذلك، بتوافر شروط معينة فيه على المستوى العلمي والعقائدي والسياسي والثقافي والديني حتى يقدر على تحمل هذه المسؤولية، لكن الجانب الآخر يعتقد أن الحاكم يتولى الحكم على حسب النسب وأن هناك صفات توريثية يجب أن تتوافر في الحاكم، منبته أو منبعه دينيا مع النص عليه، وتسمى الخلافة.
• هل باتت رؤية أهل الشيعة للمذاهب السنية أقل تشدداً عما كانت عليه في الماضي؟
ــ نعم، الظروف تغيرت لصالح جهود التقريب، حيث أصبح الطرف الشيعي اقل تمسكا بهذه الأمور الخلافية، ونحن نعلم أن الظروف السابقة في ظل الاستعمار حاول أن يفصل بين العالم العربي والإسلامي بعضه وبعض، بإثارة النعرات المحلية بين البلدان العربية بعضها وبعض وتأجيج نار الصراع والفتنة والفرقة بين السنة والشيعة، على الرغم من غياب فواصل الفرقة وعدم وجود أسباب للانقسام الحاصل.
وحاول أن يدس بينهم كل ما يسمم أفكار التعاون والتقارب، فكان الاتصال يتم عن طريق المستعمر وليس بين بعضهم وبعض وكثير ما دلس على الآخر وكان يكتب ويذهب إلى عامة الآخرين، ولذلك حدث هذا الشقاق وهذا الخلاف، فنحن في أمس الحاجة لكي نكون أمة واحدة، ومن ثم التقريب أمر مطلوب، وهذا يستوجب التقريب فيما يتعلق بالجوانب السياسية، لأن التقارب على الصعيد الفقهي قائم بالفعل، والآن يجب أن نتقارب في هذه الفرعيات التي نختلف فيها حتى يتقارب العامة.
• ماذا تقول في تولي المرأة منصب القضاء؟
ــ قضاء المرأة ينطوي على خلاف فقهي، ولقد أصدر مجمع البحوث رأيه في ذلك الكلام، وقال رأي جمهور الفقهاء لا يجيز ولهم أدلتهم وهناك أراء أخرى اجتهادية أجازت، والقضية بحثت وعرضت والمرأة عينت قاضية بالفعل، فالبعض أجاز أن تقضي المرأة في كل القضايا شريطة أن تكون مؤهلة وبالغة وعاقلة ومجتهدة، وهذا الرأي له أسانيده ومنهم ابن حزم الظاهري، لأنه اخذ بظاهر النصوص.
ومن جهتي اعتبر انه مع هذا الخلاف الذي وصلنا إليه أن الذي يفصل في الأمر الخبرة والاختصاص وحسب الحاجة والضرورة لان الضرورة تقر بقدرها، لكن يظل جمهور الفقهاء ان الأصل في هذا الإطار من حيث العزيمة الرخصة استثنائية لظروف معينة سواء كانت ظروف اجتماعية أو تاريخية أو اقتصادية، خاصة وأن المرأة في بعض الحالات قد تكون أفضل من الرجل في أي مكان تعمل فيه، مادامت مؤهلة وقد تصل فيه إلى أن تكون أكثر خبرة من الرجل في ذات المجال، لكن العبرة بالعموم.
وليس بالخصوص، معلوم أن الرجل وهذا ما يثبته التاريخ الإنساني كله الغالبية العظمى من القضاة هم رجال وطبعا الشاذ أو النادر حتى في الدول الغربية وليست الإسلامية كانت المرأة قاضية، فالأمر كان ينطوي على ندرة، وطبعا العبرة بالعموم ولا بالخصوص والشاذ لا يقاس عليه، ولكل مقام مقال.
• تمارس على مصر في هذه الأيام ضغوط من قبل منظمات حقوق الإنسان لإلغاء عقوبة الإعدام، ما الرأي الشرعي في إلغاء هذه العقوبة؟
ــــ عقوبة الإعدام في التشريع الإسلامي تكاد لا تقر إلا في حالتين فقط، وهما، حالة القصاص أي في حالة تحقق جريمة القتل مع سبق الإصرار والترصد، وهنا يكون العقاب النفس بالنفس منعا للقتل، فإن القصاص يجعل القاتل يعيد التفكير في أمر قتله مئات المرات لأنه لو قتل سوف يقتل هو الآخر، وهنا لا يقبل على هذا القتل، هكذا يكون القتل فيه حياة، إذن القتل في التشريع ليس بغرض القتل بل يهدف إلى نفي القتل، ومن ثم يقول رب العزة: «ولكم في القصاص حياة»، فالقصاص يحمي الحياة الإنسانية ولا يهدرها كما يدعي الجاهلون.
الحالة الثانية التي يتأكد فيها القتل هو حد الإفساد في الأرض، وهذا الحد قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «ادرءوا الحدود بالشبهات» ومن ثم هذا الحد لا يكاد يمكن إثباته بأدلة قاطعة إلا في حالة الإقرار الصريح وطبعا الحد في جريمة الزنا «الفاحشة» أو الإفساد في الأرض وهذا ما نسميه الخروج وقطع الطريق، طبعا الإفساد في الأرض معناه أنه إذا تركنا هذا الجاني يفسد في الأرض فسوف يفسد العالم كله، كتمكن السرطان من جسم الإنسان وقتله في هذه الحالة لا يكون إلا بالدليل القاطع الذي لا يقبل تشكيكا، أما بالإقرار الصريح أو الأدلة القاطعة الظاهرة على إفساده في الأرض.
وفي الحالة الأولى يجوز العفو عنه حتى بعد صدور الحكم النهائي عليه، لذلك فالشرع يقول بتواجد ولي الدم عند تنفيذ الإعدام في القاتل، فلو عفا عنه هذا الولي يجب أن يتم وقف تنفيذ حكم الإعدام مهما كانت الأسباب، حرصا على السلام الاجتماعي إنما مسألة الحدود فهي حقوق المجتمع كله.
فإذا ترك هذا المفسد في الأرض مثلا بدون إنزال الحد به سوف يعيث في الأرض فساداً وظلماً، وخير مثال على ذلك أن ظهور خلايا سرطانية جسم الإنسان تحتاج لعلاجها انتزاع هذه الخلايا والتخلص منها قبل انتشارها في الجسم ومن ثم تقضي على الإنسان، هكذا الإنسان المفسد في الأرض الذي وجب عليه القتل لو ترك فسوف يفسد المجتمع كله، وبإقامة الحد يتوقف هذا الإفساد ونحمي المجتمع بأثره من ضرره البالغ، وهنا نصحح الأوضاع في المجتمع.
ومسألة إلغاء عقوبة القتل أمر لا يناسب الشرع إطلاقا، إنما المبدأ موجود عند المسلمين وهو ان التطبيق الكامل لأحكام الشريعة الإسلامية كفيلة بأن تلغي الإعدام إطلاقا، لأنه عندما يلتزم الجميع بالشرع وتنزل العقوبات بقسوة فيخاف الجميع من العقوبة ولا تجرؤ على الخروج عن النظام، وبالتالي لن نجد من نعدمه.
• التراجع عن الفتوى الشرعية أمر تكرر في الآونة الأخيرة، فهل يسقط هذا التراجع مسؤولية المفتي؟
ــ كما يقال الرجوع إلى الحق فضيلة وكثير ما نجد من الفقهاء والعلماء أكثر من رأي في ذات المسألة، فالإمام الشافعي مثلا له مذهبين كاملين، لكل مسألة حكمين في مذهبه الأول في المذهب القديم والثاني في المذهب الجديد، والإمام أبو حنيفة له قولان في مسائل كثيرة.
وهذا يعني بالضرورة انه كان يفتي في مسألة ثم يفتي بغير الفتوى التي أفتى بها متراجعا عما بدر منه من قبل، وهذا لا يؤثر بأي حال من الأحوال في قدر المفتي لأنه قد يكون الإنسان عندما يفتي بالفتوى لأسباب معينة ثم تظهر أدلة أخرى وأقوال أخرى تظهر وتبين أن الدليل الذي استند إليه فيه دليل آخر يعارض دليله ويقوي عليه، ومن ثم لا مانع من التراجع في الفتوى، ولكن في الوقت ذاته يجب على الفقيه أن يتحرى الدقة في الفتوى، نظرا لما يمكن أن يترتب عليها من إثارة للبلبلة.
وإن كان من الضروري أيضاً أن تتعامل وسائل الإعلام مع مثل هذه الفتاوى تكون حصيفة، وبالتالي يكون لدي رجال الإعلام رسالة حقيقية «الرسالة الإعلامية للإسلام»، مثل هذه الأمور ليقدر العواقب التي تترتب على مثل هذه الفتاوى، لأنه ليس كل ما يعلم يقال، وليس كل ما يقال يعلم به، فيجب أن تكون هذه القواعد معلومة عند العامة والخاصة.
• ما أسباب إقرار لجنة القرآن بالمجمع للبرنامج المسمى بشفرة القرآن الكريم ثم رفض المجمع بعد اجتماع الأعضاء له؟
ــ إقرار البرنامج من قبل اللجنة نتج عن كونه في نهاية المطاف يسعى وراء خدمة الإسلام، ولأنه يضع برنامجا رقميا يدلل في نهاية المطاف على أن هذا الكتاب إلهي مقدس ولا تحريف فيه ولا تغيير، وكذلك يعد هذا البرنامج.
كما فهمت بعد عدة شهور من الفحص والتحليل والدراسة أنه ضمانة لحماية القرآن من التحريف، وإذا اخذ غير المسلم هذا البرنامج وطبقه بكل قواعده وثبت له ما يؤكده البرنامج العلمي، الذي يقوم على منهجية يعترفون بها ويقرون بما تتوصل إليه، وهكذا يكون البرنامج وسيلة للإعلام عن القرآن الكريم «كتاب الله المنزل والمنزه عن التغيير والتحريف»، إذا كان في البرنامج ما يساعد على الدعوة بالحسنى .
ويناسب العصر فما المانع في هذا الأمر، فهذا البرنامج يخدم الإسلام فيما عرض به من خلال ما يسمى الإثبات على أن هذا القرآن بذاته وبآياته، وأنه بلا تبديل وبلا تحريف، وأن جميع الأعداد الموجودة فيه تؤكد هذا الأمر، ولكن عندما يخرج عن الهدف الصحيح له وعندما يتحول إلى أمور أخرى لخدم الأغراض السياسية أو للدعاية والإعلان عن توجه بعينه، أو للتأكيد على إنكار مسألة عذاب القبر ومسألة الآيات غير المحكمة.

