لم يأت الاتفاق الذي أبرم مؤخرا بين حكومة أبوظبي والحكومة الفرنسية على افتتاح فرع لمتحف اللوفر الفرنسي في عاصمة دولة الإمارات من فراغ بل بسبب العراقة والتاريخ العميق للمنطقة باعتبارها حاضنة التاريخ القديم والحديث، حيث يبرز متحف العين كأحد الرموز التاريخية باعتباره أول متحف على ارض الواقع في دولة الإمارات عام 1969 فيما افتتحه رسميا عام 1971 نيابة عن المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان ممثل حاكم أبوظبي في المنطقة الشرقية.
وكان السبب الرئيسي في اختيار مكان المتحف هو التعدد كما وكيفا في الآثار النادرة في المكان إضافة إلى تواحد ما يسمى بالمستوطنات البشرية وتاريخها الذي يقدر بآلاف السنوات.كما جاء المتحف تتويجا لجهود المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي اصدر أوامره بإنشاء المتحف بهدف الحفاظ على تاريخ الأجداد وفي الوقت نفسه تعريف الأجيال الناشئة من أبناء الإمارات بحياة مجتمعاتهم الغابرة وانجازاتهم على كافة الصعد. وظهر المتحف إلى حيز الوجود بعد جهود مضنية تعود إلى فترة الخمسينات، حيث تم التنقيب آنذاك عن مواقع أثرية وعثر في جزيرة أبوظبي على المقابر الأثرية فيما تواصلت الحفريات حتى حقبة الستينيات حيث تم العثور على آثار جبل حفيت والهيلي وبدع بنت سعود التي كانت الدافع وراء الاهتمام بإنشاء المتحف الذي تعود مقتنياته إلى نحو 5000 عام.
يمتد المتحف على مساحة 1200 متر مربع وسط مدينة العين فيما انطلق في بداية الأمر ضمن أسوار قلعة الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان التي تم تشييدها عام 1910. وفي عام 1974 تم إجراء توسعات بحيث أصبح يضم قاعتين جديدتين هما الهدايا والحياة الاجتماعية لينضما إلى قاعتي الآثار والتراث .وبالتالي المزيد من المقتنيات والمحتويات التي تعبر عن حياة سكان الإمارات بشكل عام قبل وبعد مرحلة اكتشاف النفط، وشهد المتحف عمليات ترميم وصيانة مستمرة بحيث روعي في المادة المستخدمة ان تكون من الطين وجذوع النخيل والدعون والجض المحروق بطريقة تقليدية والذي كان يتم الحصول عليه من سفوح جبل حفيت.
وتوضح الوثائق التاريخية ان من ضمن الأسباب الرئيسية في إنشاء متحف العين اكتشاف آثار مهمة تعبر عن الحضارات القديمة في جزيرة أم النار خلال حقبة الخمسينيات إضافة إلى كشف عمليات التنقيب عن وجود مواقع أثرية مهمة في منطقتي الهيلي وحفيت في الستينيات.
ولم يقتصر دور متحف العين على التوعية بحياة شعب الامارات اجتماعيا ومعيشيا وتربويا داخل حدود الامارات، بل امتد الأثر إلى خارج الدولة حيث انتقل المتحف عبر مشاركات دائرة الآثار والسياحة في العديد من المعارض والمنتديات السياحية الخارجية مثل معرض اليابان وفرنسا واسبانيا ودول أخرى.
وينظر إلى متحف العين بأنه المرشد التعليمي والتربوي والمصدر التاريخي والتراثي لدولة الإمارات إضافة إلى اعتباره محطة مهمة ورئيسية للغوص في تاريخ الدولة مما يدفع السياح والزوار الأجانب والمحليين من الاهتمام بزيارته وخاصة طلاب المدارس والجامعات من كافة المؤسسات التعليمية في الدولة، حيث يرى الزائر كيف كان التعليم قديما عبر شرح لدور المطوع «المعلم قديما» في أداء الرسالة التعليمية باستخدام عظام الأبقار كألواح للكتابة عليها بالحبر الذي كان يتم صناعته محليا من جذوع أشجار السمر.
ويضم المتحف مكتبة تحتوي على مجموعة من الكتب في الآثار، التراث، التاريخ، ويصدر عنه مجموعة من المطبوعات، منها: دليل المتحف، وخارطة العين السياحية، والآثار في دولة الإمارات، كما يضم المتحف معروضات تراثية تمثل نمط الحياة القديمة، تم الحصول عليها عن طريق الشراء والإهداء.
ومعروضات آثارية ترجع إلى العصور الحجرية والبرونزية والحديدية والهلنستية والإسلامية تم الحصول عليها من خلال إعمال المسح والتحري والتنقيب المستمرة، وتعرض القطع التراثية حسب نوع المادة، ووسيلة إيضاحها عن طريق الشرح والصور والمجسمات والرسومات التوضيحية، كما تعرض المكتشفات الآثارية حسب عصورها الزمنية من الأقدم إلى الأحدث.
أجنحة المتحف
يضم المتحف أساسا قسمين هما الآثار والجناح الاجتماعي فيما أضيف لهما فيما بعد جناحان آخران هما قسم النفط والهدايا:الآثار والتراث: يتميز هذا القسم بعرض المقتنيات الأثرية التي تجسد حياة مجتمع الإمارات في مرحلة ما قبل اكتشاف النفط إضافة إلى مراحل التقدم التي واكبت سكان المنطقة في كافة مجالات الحياة اليومية. ومن أبرز الموجودات الأدوات الحجرية والحديدية والبرونزية والإسلامية والأواني الفخارية والنحاسية والسهام ورؤوسها بأشكالها المتنوعة كما وكيفا حيث تم العثور عليها من خلال عمليات المسح والتنقيب التي تمت في المنطقة.
والملاحظ في تلك الآثار تنظيمها حسب عمرها الزمني بحيث تعرض أدوات العصر الحجري أولا تليها مقتنيات العصر البرونزي ثم العصر الهلينستي في فترة ما قبل الميلاد وأخيرا آثار حقبة العصور الإسلامية المتعاقبة. ويحتض الجناح كذلك البرزة وهي عبارة عن كساء للجلوس عليه «فرشة» إضافة إلى العديد من معدات صيد الصقور وأدوات الغوص في البحر.
يعتبر متحف العين من المعالم الحضارية التي تتميز بها مدينة العين، فبعد اكتشاف أثار أحدى الحضارات القديمة في جزيرة أم النار قرب مدينة أبوظبي في أواخر الخمسينات واكتشاف مواقع أثرية أخرى في منطقتي حفيت وهيلي بمدينة العين في الستينات ويحكي القسم قصة اكتشاف الآثار القديمة في كافة مدن الإمارات والتي تعود الى حقبة ما قبل التاريخ بل ومنذ العصر الحجري كما تشير الوثائق والحفريات التي عثر عليها ومنها مدفن الهيلي بتاريخه الذي يعود الى 2700 عام قبل الميلاد، وكذلك مقابر بنت سعود وتاريخها الى الألف الأول قبل الميلاد، وأيضا مقابر القطارة بتاريخها العائد إلى نهاية الألف الثاني وبداية الألف الأول قبل الميلاد.
وتوجد ضمن أركان هذا الجناح مكتبة تراثية تعرض الوثائق والمطبوعات والكتب التاريخية والتراثية التي تعكس حياة المنطقة ومنها على سبيل المثال لا الحصر الخارطة التوضيحية لمدينة العين ومجمل الآثار التي توجد في دولة الإمارات إضافة إلى دليل توضيحي للمتحف وأقسامه وتاريخه.
الجناح الاجتماعي: يحتوي على بعض الملابس التقليدية الخاصة بالمرأة ومواد التجميل التي كانت تستخدمها نساء الإمارات في تلك الفترات إضافة إلى نسخ قديمة من القرآن الكريم جنبا إلى جنب بعض المخطوطات التاريخية. ولم يكتف الأمر عند ذلك، بل يضم المتحف مقتنيات توضح طبيعة الحياة الاجتماعية من حيث العادات والتقاليد لسكان الإمارات في المرحلة التي عاشها الشعب قبل مرحلة حياة النفط مما يضفي شغفاً كبيراً لدى الزوار لمعرفة المزيد من حياة وعادات الشعب الذي عاش في هذه المنطقة، ومنها عادات الزواج ومناسبات قدوم المواليد والترحيب واستقبال الضيوف وعادات تناول الطعام والكرم والجود في توفير ما يلزم للضيوف.
ومن الصور المهمة في هذا الجناح شرح كيفية قيام الأم بتربية أطفالها من خلال وجود مهد معلق عبر منزل من شعر الحيوانات أو البيت القديم التقليدي المشيد من الطين أو سعف النخيل، ويرقد إلى جانب ذلك الأدوات التي كانت تستخدم في ختان المواليد الأطفال والممثلة في سكاكين ومشابك.
ويعرض المتحف أيضا الحياة الزراعية لسكان المنطقة من خلال التركيز على الأدوات المستخدمة في ذلك وهي عبارة الحيوانات وكيفية استخراج المياه من الآبار عبر الدلو، علما بان البئر والبالغ عمقه 15 مترا والموجودة في المتحف هي حقيقية تعود تاريخها إلى أيام استخدامها.
ولم يغفل المتحف عن عرض الأدوات التي كانت تستخدم في الحياة البرية وخاصة صيد الطيور مثل الحباري والصقور وغيرها. وفي الوقت نفسه يضم المتحف مصوغات خاصة كانت تستعمل كحلي من قبل نساء الإمارات قديما ومنها الدولار الفرنسي «دولار ماريا تيريزا» ويعود تاريخه إلى عام 1780 .
حيث كان محلا للتعامل بين سكان العديد من المناطق في شبة الجزيرة العربية. وهناك أيضا كل ما كانت ترتديه العرائس في ذلك الوقت وأدوات التجميل المستخدمة من خلال صندوق خشبي لحفظ تلك الأدوات التي غالبا ما كان يتم استجلابها من الهند عبر التجار المحليين، ويضاف إلى ذلك الأدوات الأخرى مثل المكاحل وأدوات وخيوط تطريز الملابس بالخيوط الذهبية والفضية وبأشكالها المتعددة.
جناح الهدايا: أبرز محتوياته الهدايا التذكارية التي تسلمها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من الحكام والرؤساء العرب والمسلمين مثل السيوف الذهبية والسكاكين والخناجر النحاسية والفضية والآليات مثل البناء وكذلك سفينة من الذهب الخالص.
كما يحتضن الجناح الكثير من المقتنيات الغنية والمهمة وخاصة التحف والتذكارات العربية والإسلامية والتي في غالبيتها كانت قد أهديت للمتحف من قبل حكومات بعض الدول العربية، وهناك أيضا تحف فخارية وزجاجية ومعدنية من الحديد أو النحاس وتشير الوثائق التاريخية إلى أنها تعود إلى العصرين المملوكي والأيوبي.


