لا تكف لميعة فرج عبدالكريم عن نصح طلابها بالتسلح بالشهادات العلمية «لأنها الوحيدة القادرة على ضمان مستقبل زاهر». قد لا يعرف تلامذتها الأربعمئة والثمانين الذين تعرفهم فرداً فرداً في مدرسة الإمام أبي حنيفة الابتدائية أن كلامها هذا نتاج تجربة شخصية غنية، عمرها أكثر من 26 سنة.
تعتبر لميعة من المعلمات الإماراتيات الأوائل اللاتي دخلن ميدان التعليم النظامي في السنوات الأولى لولادة دولة الإتحاد. تدرجت في وظائف ومراكز عدة قبل أن تشغل منصب مديرة مدرسة أبي حنيفة الابتدائية للبنين.لم تولد لميعة مثل الكثيرات من بنات جيلها في دبي و«في فمها ملعقة من ذهب»، هي الطفلة الثانية لأسرة متواضعة مكونة من تسعة أبناء، خمس بنات وأربعة أولاد. كان الوالد الذي عمل في ميناء راشد يبذل قصارى جهده ليوفر معيشة أسرته. تتحدث لميعة عن والدها بشغف واحترام كبيرين: «لم يحظ والدي بفرصة ليتعلم، يمكنني القول انه كان أميا تقريبا. رباّنا على الإيمان وخوف الله ومحبة بعضنا، فأسس أسرة مترابطة. جعل من يوم الجمعة موعداً إلزامياً نجتمع فيه في بيتنا في منطقة زعبيل. ومازالت هذه العادة سارية المفعول إلى الآن. أخذت عنه احترامه الكبير للعمل وتقديره له مهما كان متواضعا».
أول أيام الدراسة تذكر لميعة يوم اصطحبها والدها مع ثلاثة من إخوتها إلى المدرسة للمرة الأولى في خريف عام1967. تقول: «كنت في السابعة من عمري، وكانت المدرسة تقع مكان ديوان الحاكم الحالي، في قصر الشيخة موزة بنت سعيد آل مكتوم. استمررنا فيها سنتين كاملتين قبل الانتقال إلى مبنى الجديد لمدرسة خولة بنت الأزور في عمق المنطقة التجارية في دبي»، وتضيف لميعة في نبرة مفعمة بالمحبة للأيام الخوالي: «يوم النقلة وقفنا في طابور طويل وسرنا خلف بعضنا باتجاه المدرسة الجديدة. كان الغبار يتطاير بفعل خبط أحذيتنا على الأرض الرملية، لا استطيع أن أصف ما حل بمرايلنا البيضاء»، وتذكر من زميلات تلك المرحلة فاطمة تهلك الأخصائية الاجتماعية، وتتابع: «كانت المدارس في تلك المرحلة مجانية، حاول حكامنا تذليل كل الصعاب التي قد تحول دون التحاق الأطفال بالمدارس، اذكر أننا كنا نحصل على وجبة الطعام والكتب والقرطاسية، خصصت حافلات كبيرة لنقلنا من وإلى بيوتنا».
عرفت لميعة بحدث إعلان الاتحاد وقيام الدولة الحديثة من الراديو. لم تفهم معناه «لكننا لمسنا تغييرا في حياتنا. زاد دخل الأسرة مع حصول والدي على وظيفة رسمية في ميناء راشد حيث كان يعمل. خلقت فرص عمل جديدة، افتتحت المستشفيات ارتفعت الأبنية وشقت الطرقات واتسعت». تتذكر لميعة القليل من معلماتها، من بينهن معلمة التاريخ في المرحلة الإعدادية سلوى أبو دبس التي صارت اليوم مديرة مدرسة قرطبة في دبي.
ولكن أكثر مدرساتها اللاتي أثرن فيها ورسمن عن غير قصد ربما مستقبل الفتاة المهني كانت بحسب ما تروي لميعة: «معلمة مصرية أحببتها بشدة. أذهلتني شخصيتها القوية، صرامتها وإصرارها على تعليمنا. لم تكن تعاقب بالوسائل المتبعة حينها ومن بينها الضرب، بل تكتفي بالنظر إلى التلميذة المعنية. شعرت أنني أريد أن أقف وقفتها، تخيلت نفسي مكانها، قلدتها كثيرا في خلواتي مع نفسي».
عينت لميعة مدرسة مواد عامة في مدرسة جمال عبدالناصر مباشرة بعد تخرجها من الثانوية، انتقلت بعدها إلى مدرسة خولة بنت الأزور الجديدة في منطقة الصفا كمعلمة تربية إسلامية ولغة عربية لصفوف الرابع والخامس والسادس.
زواج مبكر وشهادة جامعية
تكشف لميعة في معرض سردها لمسيرتها العلمية أنها تزوجت من ابن خالتها وهي لا تزال في المدرسة: «كان زواج البنت في سن مبكرة أمرا عاديا. لم أمانع عندما سئلت عن نيتي. كنت طفلة لا خبرة لدي. رزقت بابنتي رانيا من هذا الزواج الذي استمر سنتين فقط. لم استسلم، أكملت تعليمي فانتسبت إلى جامعة بيروت العربية التي كانت تتيح فرصة التعلم عبر المراسلة وتقديم الامتحانات في ثلاث دول مختلفة. اخترت الامتحان في الأردن.
اذكر تشجيع أمي لي على المذاكرة ثم السفر إلى عمان للامتحان، كانت تهتم هي بابنتي أثناء غيابي، إلى أن نلت إجازة في التاريخ»، وتضيف لميعة بنبرة حازمة: «انصح الفتيات بإنهاء تعليمهن الجامعي قبل الزواج. قد لا تحظين بعائلة تحتضنهم إذا ما فشل الزواج، عندها سيعرفون قيمة الشهادة العلمية والفرص التي تقدمها لهن».
فتحت الشهادة الجامعية أمام لميعة أفقاً جديداً، عدلت وزارة التربية وضعها فتم ترقيتها إلى مساعد مدير في مدرسة بلال بن رباح للصبيان، كما كبرت مكانتها في الأسرة. استمرت في منصبها ثلاث سنوات قبل أن تتسلم إدارة مدرسة الإمام أبي حنيفة.
تشعر لميعة بسعادة كبيرة عندما تلتقي بتلامذتها في ميادين العمل المختلفة، في المستشفيات والدوائر الحكومية والشرطة وغيرها. تمضي نصف وقتها في العمل، لا وقت فراغ لديها فتعقيدات الحياة ومتطلباتها تجعل ساعات اليوم الأربع والعشرين غير كافية لانجاز كل الأعمال والواجبات.
مشاكل سلوكية
وعند سؤالها عن المشكلات التي تواجه التلامذة اليوم، لا تتردد في وضع المشكلات السلوكية في المقدمة، ثم التفكك الأسري الكبير الذي لم يكن متفشيا في الماضي، وتلهي التلامذة باهتمامات تافهة لا قيمة لها على حساب أشياء أهم مثل المطالعة. وتلفت إلى فقدان الكثير من التلامذة للإحساس بالمسؤولية ولإدراكهم القيمة الحقيقية للأشياء وشيوع ذهنية الاستسهال.
تبدي لميعة استغرابا مشوبا ببعض الامتعاض من تصرف تلامذة هذا الجيل الذي لم تعد الدراسة الشيء الوحيد الذي يشغله. تقول: «كانت المذاكرة الشيء الوحيد الذي نقوم به بعد المدرسة، وكان التعلم همنا الوحيد رغم عدم توفر وسائل الرفاهية كالتي موجودة اليوم.
أما جيل اليوم فتتوفر له كل وسائل الراحة والرفاهية ويصعب إقناعه بتمضية ساعتين على الأقل بعد المدرسة لمراجعة دروسه». وتقول لميعة إن «المدارس يجب تكون صروحاً تربوية قبل أن تكون صروحا تعليمية، علينا أن نوجه الأطفال، نراقبهم عن كثب وننسق مع أولياء أمورهم للخروج بأفضل النتائج التعليمية».
إصرار على التربية
وتروي حادثة حصلت معها قبل سنوات عندما نقل إلى المدرسة التي تديرها تلميذ تم طرده من عدة مدارس لأسباب سلوكية ولكسله في متابعة دروسه. تقول: «كان الولد مشاغبا لدرجة لا تطاق ولم يكن أمامي خيار سوى استيعابه. قبلت التحدي وبدأت اجمع المعلومات حوله، لأعرف سبب تمرده. عرفت أن والده في السجن، والأم غير قادرة على ضبطه. ينتمي إلى احد النوادي الرياضية المعروفة ويظهر تفوقا في هذا المجال. عرفت انه يتعمد المشاكسة ليطرد فتتاح له فرصة الذهاب إلى النادي للتمرين».
استدعت لميعة الولد بعد أن طردته إحدى المعلمات من الصف وأفهمته بلغة حازمة أنها تستطيع التأثير على المسؤولين في النادي لإبعاده. وهذا ما فعلت فتم إقصاؤه لمدة شهر كامل، ولم تمنحه «نعمة» الطرد من المدرسة وحتى فرصة الطرد من الصف. حملته مسؤولية، فسمته عريفا لصفه، وتعمدت تكليفه بمهمات كثيرة. تقول لميعة: «كان الأمر متعبا ورائعا في آن، لكن النتائج بدأت تظهر على بطاقة علاماته بعد أسابيع قليلةّ».
تشعر لميعة بالفخر عندما يسألها مدير مدرسة الرازي التي ينتقل إليها تلامذتها ممازحا «كيف حال دفعتنا هذه السنة؟، وهو يعرف جيدا أن لا غبار عليهم». تضيف «العمل في المجال التربوي متعة حقيقية، ثماره تساهم في رسم مستقبل البلاد«.. والمديرة المتحمسة تحلم بأن يرقى مجتمع الإمارات لمرتبة اكبر، وأن يصل التعليم لمستوى رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. وتحلم بأن تصل إلى منصب أهم.
كارول ياغي



