كلما أمسك بالقلم ألح عليه خاطر ربما بدا للكثيرين غير ذي أهمية، في الوقت الذي كثيراً ما أجهد هو عقله في التفكير فيه ومحاولة الوصول إلى نقطة البداية التي لا يود العودة إليها كلما عاد للإمساك بالقلم من جديد. هو يدرك أن مكانة القلم كأداة للكتابة قد تراجعت كثيراً بعد أن حلت محله أجهزة الكمبيوتر التي أصبحت وسيلة الكتابة الأسرع، والأسهل، والأقل أخطاء، والأقدر على إخفاء رداءة الخطوط.
ولكنه مع هذا كله ما زال يحتفظ للقلم بمكانة عزيزة في نفسه رغم أنه لم يتخلف عن الركب وساير جميع أدوات الكتابة العصرية التي سهلت عليه الكثير من الأمور واختصرت له الكثير من الوقت ووفرت عليه الكثير من الجهد.
يعترف بهذا كي لا يوصم بالتخلف والقصور عن مواكبة وسائل العصر في زمن أصبح توجيه الاتهامات فيه سهلاً، وأصبح الإقصاء فيه بحجة عدم القدرة على مواكبة هذه الوسائل وتنمية الذات وتطويرها من أكثر الظواهر التي ترعب الكثيرين، وتلقي بأصحاب الخبرة خارج المنظومة.
وتلغي الخبرات المتراكمة واصمة إياها بالجمود والتخلف وشتى أنواع التهم التي تزخر بها قواميس الموارد البشرية الجديدة، وقوانينها المفصلة تفصيلاً، ودهاليزها التي لا يتقن الدخول إليها والخروج منها إلا الخبراء المستوردون من أعلى البحار وأسفلها وشرق المعمورة وغربها.
مرة أخرى يعود إلى تذكر أول قلم أمسك به في حياته كي يكتب به حرفاً أو يرسم خطاً فلا يكاد يصل إلى منطقة واضحة من الزمن في مخزون الذاكرة التي يحاول نفض الغبار المتراكم عليها وإعادة ذلك البريق الذي يكاد يخبو إليها، ليكشف غموض الأسئلة المتزاحمة الباحثة عن أجوبة تشفي غليل النفس المغرمة بعلامات الاستفهام والتعجب وعلامات الترقيم التي تزخر بها اللغة وتعطي الكتابة رونقاً يحبه ويعشقه.
تُرى، هل هو قلم الرصاص الذي عادت به أخته الكبرى من مدرسة (الخنساء) في أول يوم انتظمت فيه بالمدرسة؟ أم هو قلم الـــ (باركر) الذي كثيراً ما رأى والده يملؤه بالحبر الأزرق مرة والأسود مرة ليكتب به أشياء يحاول الآن أن يتذكرها بعد أن كان صغر سنه يحول آنذاك عن فهم معانيها؟
أم هو قلم الرصاص ذاك الذي استلمه مع كتب ودفاتر المدرسة يوم أن دخلها، وما زال يتذكر ألوانها ويشم رائحتها رغم تقادم الزمن عليها بعد مرور كل هذه السنوات وتعاقب الكتب والأقلام التي رأى منها ألواناً وأشكالاً مختلفة لا يستطيع حصرها؟
لم يعد قادراً بعد كل هذا الجهد الذي بذله في تمرين الذاكرة أن يحدد القلم المطلوب، لكن النتيجة التي خرج بها هو أن القلم قد شكل في حياته واحداً من المحاور المهمة التي تنقلت به من منطقة إبداع إلى أخرى، قامت الكلمة المكتوبة بدور البطولة في بعضها، وقامت الكلمة المنطوقة بدور البطولة في بعضها الآخر، وكان القلم قاسماً مشتركاً بينهما.
الأهم من هذا كله أنه قد توصل إلى أن أهم قلم في حياته هو أول قلم امتلكه. ليس مهماً نوعه، وإنما المهم هو الدور الذي لعبه في حياته. وقد كان على الأرجح قلم رصاص كان طوله يتناقص يوماً بعد يوم حتى يكاد يختفي بين إبهامه وسبابته والوسطى من أصابعه.
ليعود يطلب من مخزن المدرسة قلم رصاص جديداً يتأمل شكل ممحاته التي يحيط بها ذلك الإطار الرصاصي الذي اعتقد يوماً أن القلم قد استمد اسمه منه حتى اكتشف أنها تعود إلى مادة (الجرافيت) التي صنع منها وكان يُطلَق عليها في وقت ما خطأً اسم الرصاص. ولكن أياً كان أصل الاسم، فقد ظل يؤمن أن للقلم ـــ من أي مادة صُنِع ـــ فعل الرصاص وأكثر، شريطة أن يكون حامله أميناً عليه، يعرف له قيمته، ويحفظ له شرفه، ويُقَدِّر مسؤولية حمله.
