أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ.
ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسموات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
شفرة الحلاقة الحديثة بقدر ما ظل الشعراء يتغزلون في عيون المرأة من قبيل أن العيون الجميلة التي في طرفها حَوَر أو في الشعر الكستنائي المسترسل وإن كان امرؤ القيس قد تحدث عن الشَعر المرفوع حين وصف المحبوبة بأن جدائلها مستشزرات إلى العلا ولكن عاب عليه النقاد استخدامه لفظة اجتمعت فيها حروف السين والشين والزاي وكان اجتماعا في غاية البشاعة من حيث التصرف في نطق الألفاظ، بقدر هذا كله فقد اصطلح الناس على أن اللحية عنوان الرجولة.
وأن إرسالها بأشكال مختلفة أقرب إلى رسالة تفيد عن فتوة الرجل أحيانا أو عن مكانته الاجتماعية أو العمر الذي وصل إليه أحيانا أخرى وربما من أجل هذه المكانة أو فلنقل المَنَعَة والنفوذ والصولجان تحكي تواريخ مصر القديمة عن مليكتهم الشهيرة حتشبسوت التي حكمت سنة 1504 قبل الميلاد وأرادت أن تستأثر بمفاتيح المُلك دون أخيها الأصغر تحتمس فاتخذت الملكة القديمة لحية رجالية، مستعارة طبعا، كانت تعمد إلى ارتدائها لكي تبدو في أكمل معاني القوة والهيلمان أمام سائر الكهنة والجنود والأعوان.
في ثقافتنا العربية يحلف الرجل بلحيته فيصدقه الناس. وفي تراثنا الإسلامي يدخل الواعظ مجلس أمير المؤمنين هارون الرشيد، حاكم الإمبراطورية الشاسعة الأرجاء ويشرع في نصحه وتذكيره بأن الإنسان ـــــ مهما بلغت قوته ـــــ فهو إنما سائر في نهاية المطاف إلى عالم البقاء وهنا نقرأ في كتب التراث أن الخليفة العباسي غلبة التأثر فكان أن استعبر (استعجلته الدموع) ثم بكى حتى اخضلت لحيته.
في الزمن الحديث بدأ الناس يتعاملون مع اللحية بطرق شتى: ما بين الحفاظ عليها وما بين محاولة تشذيبها، وما بين الرغبة في إزالتها ليكون الذقن حليقا لزوم الصورة المستجدة مع القرن العشرين بالذات من الوجاهة التي تصوروها وقتها موائمة لروح العصر.
ثم زاد من أهمية الحلاقة أن وضع العسكريون مدوناتهم لقواعد السلوك بين الجنود والضباط وكانت تقضي بدورها باتخاذ أسباب القيافة ما بين قص الشعر إلى تلميع الحذاء والأزرار إلى حلاقة الذقن فيما عرفته بعض الجيوش العربية تحت مسمى الشؤون.. الإدارية!
هكذا تجلت مع العصر الحديث الحاجة إلى أداة ناجعة لإزالة شعر الذقن أو إلى تخفيف اللحية أو تشذيبها.. سيّان.. وربما بدأ القوم في استخدام الموسى الموروث عن التقاليد القديمة.. بشفراته الحادة ونصله المشرع كأنما هو سيف مصغر فضلا عن تكرار الحاجة إلى شحذه باستخدام مسنّ من حجر مخصوص أو باستخدام سير من الجلد السميك.
هكذا كان يفعل مثلا حلاق بغداد في ألف ليلة التي أمتعت العالم العربي والإسلامي عبر الأجيال (وقد خلّد هذه الشخصية الكاتب المصري الراحل الفريد فرج في واحدة من أمتع مسرحياته) وهكذا كان يقول أيضا حلاق أشبيليه بطل الأوبرا الشهيرة.
وإلى جانب حكاية شحذ الموس لاستعادة حدتها وكفاءة استخدامها.. كان نفس الموس يفضي إلى الإصابة بجروح فيما كانت الأداة القديمة تقتضي دقة بالغة في التعامل معها وفي صيانتها وإعادة تأهيلها.
هنالك نشأت بالضرورة الحاجة إلى (شفرة الحلاقة) المأمونة. وكانت أقرب إلى الفتح المبين حين وجدت فكرتها طريقها إلى مكتب براءات الاختراع في منتصف شهر نوفمبر من عام 1904.. وقد سجلوا هذا الاختراع العجيب تحت عنوان: الموس الذي يعفيك من أن تجرح نفسك. وجاء الاختراع مسجلا باسم الأمريكي كنج كامب جيليت الذي نشأ في مدينة شيكاغو..
وكان عمره وقت تسجيل الاختراع 49 عاما. السيد كنج لم يكن دارسا ولا عميق الثقافة ولا حتى مشتغلا بالعلوم: ببساطة كان بائعا جوالا.. صحيح أنه ولد في أسرة ميسورة في شيكاغو لكن الأسرة فقدت كل ممتلكاتها بعد أن أتت عليها نيران الحريق الشهير الذي أصاب الحاضرة الأميركية الكبيرة في عام 1871..
والمهم أن كانت فكرة اختراع كينج جيليت في غاية البساطة.. وهي التوصل إلى أداة للحلاقة لا تحتاج إلى إعادة تأهيل لا باستخدام المسن ولا سيور الجلد بل يمكن استخدامها ثم التخلص منها ببساطة من أجل استخدام غيرها. الفكرة ذاتها لم تكن من عندياته بل تلقفها خلال إحدى جولاته لترويج السلع التي كان يتاجر فيها من شخص آخر اسمه ويليام بانتر وكان بدوره مخترع سدادة الفلين التي ما زلنا نستخدمها في إغلاق قناني الزجاج.. يومها قال بانتر:
• يا أخ جيليت.. لا تفكر في أمر اختراع صعب أو بالغ التعقيد.. الشيء المربح حقا أن تتوصل إلى أداة يعاد شراؤها مرة ومرات بواسطة زبون راض تماما عن استخدامه لها. هكذا أنفق جيليت نحوا من عشر سنوات إلى أن توصل إلى شفرة مصنوعة من الصلب، بالغة الرقة مرهفة الجوانب رفيعة للغاية وزهيدة الثمن يتم استخدامها للتعامل مع اللحى والذقون ثم يطرحها المرء بعيدا إلى سلة المهملات.
وكم كان حظه سعيدا حين اندلعت الحرب العالمية الأولى فإذا بحكومة الولايات المتحدة تصرف هذا النوع من الشفرات ـــ أمواس الحلاقة المأمونة كما وصفوها ـــ لأفراد جنودها وضباطها جميعا.. ومع نهاية الحرب في عام 1918 بلغت المبيعات 32 مليون شفرة تقريبا ـــ لدرجة يقول معها المؤرخون إن الأمة الأميركية تحولت بأكملها إلى هذا النوع من الشفرات. ولأن عجلة الابتكار دائمة الدوران، فقد جاء يوم 6 نوفمبر عام 1928 ليشهد الكولونيل ـــ الأميركي أيضا ـــ جاكوب تشيك وهو يسجل اختراعه باستخدام أول آلة كهربائية للحلاقة.
والغريب أن شفرات اختراع مطالع القرن لم تكن رخيصة الثمن كما قد نتصور: كانت الواحدة تباع أيامها بمبلغ 5 دولارات (وهي تعادل مبلغ 134 دولارا بأسعار عام 2006) أو كانت تعادل نصف الأجر الأسبوعي للعامل الأميركي.. والحاصل أن مخترعها كان شديد الاعتزاز بها فكان أن وضع صورته عليها لدرجة أن الناس في بقاع شتى من العالم كانوا لا يعرفون اسم الماركة بل يكتفون بطلب الشفرة التي يظهر عليها صورة رجل!
ملايين من الدولارات كانت حصيلة مبيعات شفرة الحلاقة الجديدة.. الموس المأمونة كما ألمحنا.. لكن تشاء المقادير أن يستثمرها جيليت في شراء ممتلكات وعقارات ضاعت جميعا في ظروف أزمة الكساد الاقتصادي الكبير التي ألّمت بأميركا بين أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن الماضي.. هكذا مات كنج كامب جيليت رغم كل شهرته في لوس انجيلوس في عام 1932.. ولكنه مات مفلسا مع الأسف الشديد.
تارماك: طريق من حرير
لكل أمة في الأرض مساهمة في تطوير الحياة وفي ترقية الحضارة وفي إتاحة مزيد من النفع والخير للإنسان.. العرب قدموا للبشرية عقيدة التوحيد. والفرنسيون قدموا فكر التنوير ودعوة المساواة.. سكان أيبيريا (البرتغال وأسبانيا) قدموا الكشوف الجغرافية حين أنجزوا رحلات تاريخية حول كرة الأرض..
اليونان قدموا تراث الفلسفة وإعلاء العقل.. أما الرومان.. فربما يتمثل إسهامهم الأساسي في صنعة كثيرا ما ينساها الناس وهي شق وتعبيد الطرق التي تخترق الوديان والسهول والوهاد.. لتشكل أهم وأرسخ سبل للتواصل بين سائر الأمم والشعوب. ربما يكون الرومان قد احتاجوا لشق الطرق وتعبيدها كي تجتازها بسهولة أكثر جحافل قواتهم لزوم الغزو والاستيلاء والسيطرة على مقاليد الشعوب.
لكن مثل هذه الأهداف النفعية لا تلبث أن تتبدد مع الزمن ويبقى من بعد عنصر الاكتشاف أو التأسيس أو البناء.. على شكل طرق سالكة وسبل ممهدة تخطو فوق أديمها أقدام العابرين أو حوافر الدواب الراكضة ومن ثم دواليب المركبات.. وأحيانا تهدر ـــ للأسف ـــ جنازير المدرعات.
ولأن الإنسان مخلوق على فطرة البحث عن الجديد.. فقد جاء العصر الحديث ليكتشف الناس أن الطرق التي كانوا يسلكونها تحف بها مشاكل الغبار الكثيف وتآكل التربة وعمق المطبات وخاصة مع هطول الأمطار أو هبوب العواصف أو زحف الثلوج.. ربما كان ذلك في مرحلة ما من أواخر القرن الثامن عشر.. وربما كان أول من فكّر في إصلاح الطرق مهندس اسكتلندي اسمه «جون لودون ماك آدم»..
ويقال إن أسرته كانت في الأصل تحمل لقب (ماك جريجور) ولكنها بدلته إلى ماك آدم كي تنسب نفسها إلى أبي البشر شخصيا! وأيا كان اسم صاحبنا فالحاصل أنه يرجع الفضل إليه في اختراع عملية أو فلنقل وصفة أو خلطة جديدة لبناء وتعبيد الطرق لكي يصبح الطريق ممهدا وناعما وصلبا لا يتأثر بعوامل التعرية وقادرا على تحمل دوران العربات ومن بعدها بداهة حركة الشاحنات في مجال النقل الخفيف أو الثقيل على السواء.
من هنا هداه تفكيره إلى استخدام مادة القار (وقد نقلتها الانجليز إلى تار ـــ الزفت.. القطران) وعندما نسبوا المادة إلى اسم المهندس ماك نشأت وتبلورت كلمة «تار ماك» التي دخلت القواميس علما على الطرق الحديثة المكسوة بخليط من مواد الرمال وأحجار البازلت والإسفلت المستخرج من البترول مضافا إليها أحجار الجرانيت أو الحجر الجيري.
وكلها من بنات أفكار جون ماك آدم المولود عام 1756 الذي تبوأ أيضا مكانة الريادة في هذا المضمار بعد أن نشر دراستين لشرح اختراعه في عامي 1819 و 1823 منبها إلى ضرورة أن يرتفع بناء الطريق عن مستوى الأرض المحيطة به.
وبعدها بدأت مقاولات بناء الطرق الحديثة على أساس عملية «المكدمة» وكانت أميركا هي أول بلد في العالم استخدم طريقة التارماك هذه في بناء أول طريق حديثة من نوعها. ثم جاء الأميركي إدغار هولي ليسجل باسمه خليطا توصل إليه من خلال تسخين مادة القار مع إضافة مادة السلاج من مخلفات صهر المعادن (خبث المعادن) وكِسرة الأحجار ثم صنع خليطا من هذا كله يكسو سطح الأرض ويعرف رسميا باسم تارماك.. كان ذلك في عام 1903 .
وبعدها ذاع اسم الشركة التي أنشأها هولي لهذا الغرض وخاصة خلال الحرب العالمية الثانية حين احتاجوا إلى هذه النوعية من الرصف والتزفيت والتعبيد بالأسفلت وخاصة في مدارج المطارات. وما زالت الشركات ناشطة في هذا المضمار حتى اليوم، لا سيما وأن الصناعات النفطية تمدها بأفضل أنواع القار وأشدها صلابة وأكثرها صلاحية لجعل الطريق ممهدا ومناسبا في نعومة الحرير.
محمد الخولي

