* ما حكم الصائم إذا اغتاب أو كذب أو نظر إلى أجنبية بشهوة، أيصح صيامه أم يبطل ؟

ـــ الصوم النافع المقبول هو الذي يهذب النفس، ويقوي إرادة الخير، ويثمر التقوى المذكورة في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، والواجب على الصائم أن يكف عن كل قول أو فعل يتنافى وصومه حتى لا يكون حظه من صيامه الجوع والعطش والحرمان.وفى الحديث:« الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، وإذا سابه أو قاتله أحد فليقل:إني صائم» وقال عليه السلام:« رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر» ( رواه النسائي وابن ماجه والحاكم، وقال:صحيح على شرط البخاري)، وقال صلوات الله عليه وسلم:« من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

قال ابن العربي:مقتضى هذا الحديث ألا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه .ورأى ابن حزم: أن هذه الأشياء تبطل الصوم كما يبطله الطعام والشراب، وروى عن بعض الصحابة والتابعين ما يفهم منه هذا.

ونحن – وإن لم نقل برأي ابن حزم – نرى أن هذه المعاصي تضيع ثمرة الصيام وتفسد المقصود من شرعيته ومن أجل ذلك كان سلف الأمة الصالحون يهتمون بالصوم عن اللغو والحرام كما يهتمون بالصوم عن الشراب والطعام.. قال عمر رضي الله عنه:« ليس الصيام من الشراب والطعام وحده ولكنه من الكذب والباطل واللغو» وروي عن علي مثله ..

وعن جابر قال:« إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم ودع أذى الخادم وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء» وقال أبو ذر لطليق بن قيس :« إذا صمت فتحفظ ما استطعت» فكان طليق إذا كان يوم صيامه دخل فلم يخرج إلا إلى صلاة. وكان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد وقالوا:نطهر صيامنا .. وعن ميمون بن مهران: « أهون الصيام.. الصيام عن الطعام والشراب ».

وأيا ما كان الأمر فللصوم أثره وثوابه وللغية والكذب ونحوه عقابها وجزاؤها عند الله ( كل شيء عنده بمقدار). وكل عمل بحساب وميزان ( لا يضل ربي ولا ينسى ) وتأمل هذا الحديث النبوي عن دقة الحساب الإلهي في الآخرة تجد فيه الجواب الكافي عن هذا السؤال والسؤالين قبله:روى الإمام أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس بين يديه فقال:يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟

(يعنى يوم القيامة) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم « يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك وإن كان عقابك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقى قبلك» فجعل الرجل يبكى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهتف.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« ماله لا يقرأ كتاب الله؟» ( وتضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) فقال الرجل يا رسول الله:ما أجد شيئاً خيراً من فراق هؤلاء – يعنى عبيده – إني أشهدك أنهم أحرار كلهم .

استعمال التحاميل

* هل تفطر الحقن التي تؤخذ في الوريد أو العضل، وكذلك الحقن الشرجية واستعمال المرهم أو التحاميل في فتحة الشرج لأجل البواسير أو غيرها ؟

ــــ لا يجهل أحد معنى الصوم البسيط، وهو الامتناع عن الأكل والشرب ومباشرة النساء وهي أمور نص عليها القرآن.

ولا يجهل أحد كذلك معنى هذه الأمور الممنوعة، فقد كان يفهمها بداة الأعراب في عهد النبوة ولم يحتاجوا في فهم معنى الأكل أو الشرب إلى حدود وتعريفات منطقية. ولا يجهل أحد كذلك الحكمة الأولى للصيام، وهي إظهار العبودية لله تعالى بترك شهوات الجسد طلباً لمرضاته سبحانه كما قال في الحديث القدسي:« كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهواته من أجلي».

وإذا تبين ذلك رأينا أن تعاطي الحقن بأنواعها واستعمال المراهم ونحوها مما ذكره السائل ليس أكلا ولا شرباً في لغة ولا عرف ولا تنافي قصد الشارع من الصيام فهي لذلك لا تفطر.

ولا موضع للتشديد في أمر لم يجعل الله فيه من حرج قال تعالى في آية الصيام:(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) قال ابن حزم:لا ينقض الصوم حقنة ولا سعوط ( نشوق) ولا تقطير في أذن أو في إحليل أو في أنف ولا استنشاق وإن بلغ الحلق، ولا مضمضة دخلت الحلق من غير تعمد ولا كحل وإن بلغ إلى الحلق نهاراً أو ليلاً بعقاقير أو غيرها ولا غبار طحن أو غربلة دقيق أو حناء أو عطر، أو حنطل، أو أي شيء كان ولا ذباب دخل الحلق بغلبة .. الخ .

واستدل ابن حزم لما ذهب إليه فقال:« إنما نهانا الله في الصوم عن الأكل والشرب والجماع وتعمد القيء والمعاصي. وما علمنا أكلاً ولا شرباً يكون من دبر أو إحليل أو أذن أو عين أو أنف أو من جرح في البطن أو الرأس. وما نهينا قط عن أن نوصل إلى الجوف – بغير الأكل والشرب – ما لم يحرم علينا إيصاله».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكحل والحقنة والتقطير في الإحليل ووصول الدواء إلى الجوف عن طريق جراحة .. الخ « الأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك فإن الصيام من دين الإسلام الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه .

فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم» فى ذلك حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً علم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك والله أعلم.

بناء المدارس والمستشفيات من زكاة المالfont>

* هل التبرع ببناء المدارس والمستشفيات ومشروعات تخدم المسلمين يمكن حسابها من زكاة المال؟

تقول لجنة الفتوى بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري: إن الزكاة التي فرضها الله تعالى على الأغنياء خصها الله تعالى بأصناف ثمانية بأداة حصر وقصر وهي «إنما» التي تثبت المذكور وتنفي ما عداه فقال سبحانه: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل).

كما ردها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما على الفقراء لأنهم أول الأصناف فقال «فأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم».

فلا يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر لقوله صلى الله عليه وسلم للذي جاء يسأله الصدقة: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» كما أخرجه أبو داود. وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة المتبوعة.

ونقل ابن العربي في أحكام القرآن 1/969 عن الإمام مالك رحمه الله تعالى قوله: «سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافاً في أن المراد بسبيل الله ها هنا الغزو» غير أن القفال من الشافعية نقل عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير، كما نقله عنه الفخر الرازي في تفسيره 16/113 أخذاً بعموم سبيل الله تعالى وبهذا أخذ بعض المتأخرين والذي به الفتوى عدم جواز ذلك كما ذهب إليه عامة أهل العلم لما تقدم من الأدلة الواضحة.

استثمار الشهر الكريم*

ما حكم من صام أياما في رمضان وأفطر أياما أخر متعمداً؟ أتحسب له الأيام التي صامها أم لا تحتسب ؟

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: كل شيء بحسابه والمسألة ليست في الأيام التي صامها هل تحسب أم لا ؟ بل في الأيام التي أفطرها هل تعوض أم لا ؟ ولا يمكن أن يعوض يوم من رمضان إلا بيوم مثله من رمضان آخر وكل رمضان يأتي مشغولا بواجب الصوم فيه لا محالة.

ولذلك قال أبو هريرة رضي الله عنه:« من أفطر يوماً من أيام رمضان لم يعوضه يوم من أيام الدنيا» ويروى عنه أن رجلاً أفطر في رمضان فقال أبو هريرة:لا يقبل منه صوم سنة. وعن ابن مسعود:من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر وإن صامه. ويروى عن أبي بكر وعلي نحو ذلك .. فليتق الله امرؤ مسلم في دينه وليحرص على صيام رمضان ولينتصر على شهواته فمن انهزم أمام بطنه لم ينتصر في ميدان من الميادين.