هو لا يعرف بالضبط إن كان قد أتم السنة الخامسة من عمره أم لم يتمها بعد حين أدخله والده المدرسة. لم تكن المدرسة تبعد كثيرا عن بيته، لذلك كان الذهاب إليها سيرا على الأقدام مخترقا الأزقة التي تفصل بين بيوت الحي مقبولا في تلك الأيام، وإن كان يشك أن يقبل طفل من أطفال اليوم مجرد عبور الشارع مشيا للذهاب إلى مدرسته، أو أن يقبل الأهل أنفسهم ذلك خوفا على أبنائهم. وهو لا يعرف بالضبط أيضا إن كان قد استمر في الذهاب إلى مدرسته تلك ثلاثة أيام أو أربعة قبل أن يعود من منتصف الطريق مبديا لوالدته عدم رغبته في مواصلة الدراسة.

لم يكن بإمكان الأم أن تتصل بوالده أو ترسل له رسالة نصية تخبره عن عودة ابنه، فقد كانت الهواتف في تلك الأيام ترفا لا يقدر عليه سوى المكاتب الحكومية، وعدد محدود جدا من سكان دبي، والشركات الكبرى التي تعمل في الإمارة التي كانت تشهد إرهاصات نهضة كانت ملامحها الأولى تتشكل من خلال البنية التحتية التي كانت لبناتها توضع بتخطيط محكم، لترسِّخ موقع هذه الإمارة التي كانت وما زالت معبرا ومستقرا للكثيرين الذين يفدون إليها متطلعين إلى الإقامة فيها أو بناء مدن على شاكلتها.

عاد الأب عند الظهيرة من عمله ليجد الخبر الذي لم يسعده على أي حال في انتظاره. ربما كان سيتصرف بعصبية لن يلومه أحد عليها لو كان من أولئك الآباء الذين يأخذون الأمور على محمل واحد لا ثاني له، لكنه لم يكن من هذا النوع الذي لا يرى للحقيقة سوى وجه واحد فقط، لذلك أجَّل قراره حتى يرى وجوه الحقيقة الأخرى و ينظر في الأمر من جميع جوانبه.

رغم أن التعليم النظامي كان في مراحله الأولى إذ لم تمض على بداياته سوى سنوات قليلة، إلا أن المدرسة التي وضع الأب فيها ابنه كانت تضم ضمن طاقمها التعليمي بعض المدرسين المواطنين الذين كانوا يقومون بتدريس المواد الدينية واللغة العربية. لذلك قرر أن يسأل بعضهم ممن كانوا يسكنون معهم في الحي نفسه عن القرار الذي عليه أن يتخذه بعد أن يتدارس الأمر معهم.

وكان القرار بعد التشاور هو تأجيل إدخال ابنه المدرسة إلى السنة التالية نظرا لصغر سنه. وقد كان له ما أراد ليتأخر دخوله المدرسة سنة كاملة، يعود بعدها إلى المدرسة نفسها التي لم يغادرها إلا إلى الجامعة خارج الوطن ليكمل دراسته.

اليوم عندما تعود به الذاكرة إلى تلك الأيام مستحضرا ما حدث كأنه شريط سينمائي يمر أمام عينيه، يبحث عن المساحة التي تدخّل فيها القدر وهيأتها الظروف كي يتأخر دخوله المدرسة سنة كاملة، ويتساءل عما إذا كانت مسيرة حياته سوف تختلف فيما لو كان قد بدأ دراسته في تلك السنة التي عاد على أعقابه فيها من المدرسة فارضا على أسرته إعادة النظر في هذا القرار وتأجيله إلى السنة التالية.

لا شك أن أمورا كثيرة كانت ستختلف لو أنه استمر في المدرسة منذ دخوله الأول لها تبعا لنظرية «رفة جناح الفراشة» التي عرفها لاحقا. لكنه يعود فيجدد إيمانه بأن كل خطوة في هذا الكون مخطط لها بدقة متناهية لا نستطيع تقديمها ولا تأخيرها قيد أنملة. لذلك لا يملك إلا أن يمضي مستعرضا ذلك الشريط متأملا واثقا من أن لكل شئ أوانا ينسجم مع نمط هذا الكون الذي لا يتغير إلا بإرادة من خلقه وبقدرته.

aliobaid2000@hotmail.com