تسميت بشهر رمضان في زمن كلاب بن مرة الجد الخامس للنبي صلى الله عليه وسلم واشتققت من الرمض، وهو حر الحجارة من شدة حرة الشمس، أو من الارتماض من الحر، والجوع، والعطش. إنني أرمض الذنوب، والخطايا، وأحرقها بصالح الأعمال، وكريم الخلال. أثر عني أن العرب لما نقلوا أسماء الشهور من العربية في سالف الدهر، وافقت أيام رمض الحر، وشدته؛ فوضعوني فيه.

كما أن أخي شهر جمادى صادف أيام تجمد الماء زمن الشتاء فسموه به. وعند العرب العاربة كنت أسمى ديمر، ويبدأون سنتهم بي، وزاهراً كما ذكره لكم المسعودي في مروجه، وابن سيده في مخصصه. ونافقاً وهو مأخوذ من نفقت الدابة أي ماتت، وناتقاً كما قال شاعرهم:

وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغى

وولت على الأدبار فرسان خثعما

وناطلاً، والناطل مكيال للخمر، والعرب كانت تعاقر فيَّ الصهباء حتى الثمالة، وقد ركبت كل غواية وضلالة؛ لأنه كانت تعقبني أشهر الحج. وأنشد شاعرهم:

فلو أن ما عند ابن بجرة عندها

من الخمر لم تبلل لهاتي بناطل

فيا حسرة على سوء صنيعهم! ويا لشؤم معصيتهم! ويا لخفة أحلامهم!

وما زلت أتهادى في كرور الدهور، ومرور الأزمنة والعصور، حتى وضعت عصا التسيار في عهد نبينا المختار محمد صلى الله عليه وسلم وفرض صيامي على المسلمين في السنة الثانية من الهجرة، في وحي يتلى.

كما قال الله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184). البقرة: 183 ــ 184.أنا شهر الطاعات والنفحات، وموسم الخيرات والبركات، وأوان التنافس في الباقيات الصالحات.

ألم تقرأوا أيها الصائمون قول ربكم في كتابه المكنون: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ). «المطففين: 26». (ولِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ): «الصافات:61».

ما إن يهل هلالي، حتى تسارعوا إلى اغتنامي، وتبادروا إلى صيامي وقيامي: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). (آل عمران: 133 ــ 134).

(وسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم). «الحديد:21»

falahi19@yahoo.com