بُشر الشاعر، وهو في معتقله بولادة مولودة له فسماها (زينب) باسم أمه، ونظم في ذلك قصيدة حسنة، عنوانها «لِمَ تُشنأ الأنثى» أي: لماذا تكون المولودة البنت مكروهة، عند من يفعل ذلك؟ على سبيل الاستنكار لهذا الموقف، والاستهجان لما يصنع.

* الصغيرة زينب وقد أبطل الإسلام موقف الجاهليين من المرأة عموماً، وفتح للناس آفاق حسن معاملتها، والوفاء بحقوقها، والإحسان إليها، وكانت صفتهم على الغالب في الجاهلية كما في الآية الكريمة: «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم» (النحل: 58) والكظيم هو المملوء حنقاً، الغضبان أي أصبح حنقاً على امرأته وهذا ـــ كما قال الطاهر بن عاشور في تفسيره: «من جاهليتهم الجهلاء وظلمهم، إذ يعاملون المرأة من لو كانت ولادة الذكور باختيارها».وفي الشعر القديم أبيات من الرجز قالتها امرأة في زوجها وقد هجر المنزل لأنها ولدت أنثى،

ما لأَبي حمزةَ لا يأتينا

غَضْبان أَلاّ نلدَ البنينا

وإنّما نُعطي الذّي أُعْطِينا

وقد استبشر الشاعر بهجة الأثري بولادة ابنته، ونظم هذه القصيدة التي بدأها بعبارات التأهيل والترحيب:

أهِّلْ بها ورَحِّبِ

فهي جَمالُ الرُّحَبِ

رؤيتُها الفَرْحَةُ والسّلوى

وبشر الطِرب

زائنةُ المنزل بسالْ

بالإيناسِ والتَّحَبُّبِ

أيّانَ تخطرْ يَخطر النّور

بهِ في موكبِ

وهذا افتتاح حسن جداًَ لاستقبال الفتاة، ولا يزال بعض الناس إلى الآن يفضلون ولادة الذكور على الإناث، ولهذا استغرق الشاعر في الكلام على المولودة، قبل أن يراها، ووصفها بأحسن الصفات:

وقال بعد ذلك:

هي النعيمُ والسُّرورُ

والرّضى في الملعبِ

وهي شذا الوَرْدِ إذا

طُلّ بساري السُّحب

وهي ضياء القلب إنْ

يعمر بداجي الكرب

وانتقل الشاعر، بعد الكلام على ابنته بالكلام الطيب، والصفات الحسنة وناقش أولئك الذين يغيظهم أن يرزقوا بالبنات:

عجبتُ للمرء وكم

داعية للعَجبِ

إنْ بَشروه بابْنَةٍ

يَبِتْ صريعَ الغَضبِ

حردان، مرعوبَ السُّطا

إنْ خاطبوه يَشْغَبِ

(السّطا جمع السطوة، أي يرعب الناس بشدته وسطوته)

وهناك كلام للشاعر على حال أم البنت، حين يغضبُ الأبُ، ويكشّر في وجه الزوجة: ويصف الزوج:

مكشّراً في وجه أمٍّ

مرضعٍ لم تُذْنِبِ

قد وضعت ما حملت

أمينةً لم تُرِب

الأرض ما يبذرْ بها

من البذور تُخصب

إن يكُ ذنبٌ فلمن

يُعْزى؟ لأمّ أو أبِ

ما بالهُ لم يودع الأم

لقاحاً لصبي!

وفي الشعر مناقشة منطقية تحفظ حق الأم، وتكرّم البنت، وتعطيها حقّها الذي وهبه الله لها، ومن هنا كرر الشاعر الترحيب بابنته، وسمّاها في هذا القسم من القصيدة باسمها، وقال:

يا مَرْحباً بزينبِ

بِسرّ أمّي وأبي

يا نفحة الزّهر أريج

العطر، لَمْحَ الكوكب

ولدت زهراءَ ترفّينَ

كفرعٍ أهدبِ

يا سرَّ أمّي لك منها

كُلُّ شيءٍ طيّبِ

وقد سبق للشاعر أن شبه بنته بأمه دون أن يرى زينب الصغيرة.

وختم الشاعر بوصايا لفتاة المستقبل في شخص ابنته المولودة، ومما قال:

يا بنت خير الأمّهاتِ

في معالي الحَسبِ

ألقي لها على الزمانِ

طاعة المؤدّبِ

واستمعي لِنُصْحِهَا

تَلْقَيْ كريمَ الرَّغَبِ

والنصح والوعظ جاءا بأسلوب رقيق، ورفيق.

أ.د محمد رضوان الداية