تعد اللغة الانجليزية والمواقف المتساهلة نسبياً من الرقابة والتدقيق على الصحافة في مقدمة الاسباب التي جعلت بريطانيا على الدوام مكاناً جذاباً بالنسبة لكل راغب في تأسيس وسيط اعلامي ناطق باللغة الانجليزية.وتميل جماعات الأقليات والمنظمات غير الغربية والمجموعات غير المسيحية التي تريد استقطاب جمهور عالمي إلى رسالتها إلى اختيار لندن مركزاً لنشاطها.
وتعود اقدم الدوريات الاسلامية الصادرة باللغة الانجليزية في بريطانيا الى اوائل القرن العشرين، ولكن مؤسسات الإعلام الجماهيري ظهرت في بريطانيا في الوقت نفسه الذي بدأت فيه هجرة المسلمين من جنوب آسيا إلى بريطانيا في أواخر الخمسينيات.وقد كان من الأهداف المهمة لهذه الدوريات أن تقدم للناطقين بالإنجليزية تفسيراً للأحداث العالمية، وبصفة خاصة للأحداث التي تجري في بلاد غالبية سكانها من المسلمين، من خلال ما يمكن اعتباره رؤية اسلامية اصيلة، ويرجع هذا في احد جوانبه الى ان الكثير من المسلمين يعتقدون ان التيار الرئيسي من اجهزة الإعلام الناطقة باللغة الانجليزية لا يصور الأحداث العالمية بصورة تتعاطف مع اهتماماتهم.
رؤية مختلفة كانت دورية «مسلم نيوز انترناشيونال» إحدى هذه المطبوعات الأولى، وقد تأسست في لندن عام 1963 على يد رجل البر ابراهيم باواني الذي يتخذ من كراتشي مقراً لأنشطته. وقد قدم باواني في هذه الدورية من حيث حجمها وشكلها وتصميمها وصورها دورية على غرار المجلات الاخبارية الاسبوعية الأميركية، ولكنها فتحت لقرائها بصورة مميزة نافذة اسلامية باكستانية يطلون عبرها على الأحداث العالمية.استمرت هذه الدورية في الصدور على امتداد ثلاثة عشر عاماً، وقد انتقلت الى كراتشي بعد وقت قصير من صدورها، وتأثرت الى حد ما بفقه المفكر الاسلامي ابي الأعلى المودودي وافكاره السياسية الإصلاحية وكذلك بفكر الحركات الإسلامية الأخرى في ذلك الوقت.غير أن فكر المودودي وجد قناة اكثر مباشرة للاطلال منها وذلك مع انطلاق مجلة اخبارية تدعى «امباكت انترناشيونال» في عام 1971 على يد مجموعة شابة من المهنيين الذين تربطهم صلات مباشرة بالمفكر البارز. وربما كانت هذه المجلة التي لاتزال تصدر من لندن حتى اليوم هي اقدم دورية اسلامية تصدر من بريطانيا، وفي وقت الذروة بالنسبة لها كان هناك أكثر من اثني عشر ألف مشترك بها على امتداد العالم.
في الوقت نفسه تقريباً صدرت صحيفة «كريسنت» نصف الشهرية المعنية بالقضايا العالمية. كما صدرت في السبعينات الطبعة اللندنية من صحيفة «جانغ» التي تعد أكبر صحيفة باكستانية ناطقة بالأوردو لتخاطب الجالية الباكستانية الآخذة في الزيادة في بريطانيا.
شهدت الثمانينات انضمام مطبوعتين الى المطبوعات الاسلامية الصادرة في لندن. وهما «اريبيا: اسلاميك ورلد ريفيو» و«افريكا افنتس»، بالإضافة إلى «انكوايري»، وهي المعادل الاسلامي لمطبوعة «بروسبكت» التي تصدر في الوقت الراهن.
في عام 1980 انشئت ايضاً «ايجنسي افغان برس»، وهي وكالة أنباء اسلامية استهدفت التأثير في التغطية الإعلامية الغربية للاستيلاء السوفييتي على افغانستان، وكانت تقوم بإرسال الصحافيين الباكستانيين عبر الحدود لتغطية الأحداث داخل افغانستان والعمل هناك بشكل ميداني واسع النطاق، كما كانت على صلات وثيقة بأنصار المودودي وتحالف المجاهدين الأفغان الذين يناضلون لتحرير افغانستان من الاحتلال السوفييتي.
انتقال نوعي
حتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كان النشر لايزال صناعة باهظة التكاليف، ولكن تراجع اسعار اجهزة الكمبيوتر الشخصية وتوافر برامج النشر عبرها سمح للكثير من الكتاب والمحررين الذين عملوا في الجيل الأول من المجلات، وبصفة خاصة من نوعية مجلة «انكوايري» باطلاق العديد من الإصدارات الجديدة، التي تركز بشكل أكبر كثيراً على اهتمامات الجالية الاسلامية البريطانية، وطموحاتها وتطلعاتها.
وكان من بين هذه الاصدارات صحيفة «مسلم نيوز» ومجلات «مسلم وايز» و«كيو نيوز» و«اسلاميكا» وقد انطلقت صحيفة «مسلم نيوز» التي توزع مجاناً وتعتمد في اصدارها على الاعلانات في عام 1989، واعقبتها بعد ثلاث سنوات «كيو نيوز». وقد استهدفت هذه المجلة الأخيرة المسلمين الأصغر سناً في بريطانيا وأتاحت لقرائها الإطلال على تصميم مجلة معاصرة بالاستعارة من صحيفة «غارديان» التي كانت قد طورت حديثاً في ذلك الوقت.
وقد انضمت الى هذا الركب صحيفة «مسلم ويكلي» التي تصدر اسبوعياً وتنشر في إيست لندن ومجلة «ايميل» وهي مجلة طموح تتناول اسلوب الحياة الحديثة، وهي تصدر من لندن كذلك، وأيضاً «نيو سيفيلايزيشن» وهي مطبوعة سياسية شهرية يصدرها الفرع البريطاني من «حزب التحرير».
من المهم ملاحظة ان مؤسسات إعلام جماعات الأقليات لا توفر وظائف سهلة، فغالباً ما تكون الرواتب وظروف العمل فيها أقل من المتوسط وكذلك الحال بالنسبة للموارد اللازمة لتغطية الأحداث الكبرى وللدفع للمساهمين في الكتابة. والكثير من المؤسسات الإعلامية الإسلامية تواصل الصمود في المقام الأول اعتمادا على الحماس لها والإحساس بخدمة قضية كبرى من خلالها والتوافر المتتابع لأطقم العاملين.
وهذه المطبوعات تولد في بيئة غالباً ما يحس القراء فيها بأنهم محاصرون من جانب اجهزة الإعلام المنتمية للتيار الرئيسي، وبالتالي فإنها تحاول تطوير نماذج الدور الاسلامي في صفوف القراء، حيث الحاجة ماسة الى افراد يجسدون هذه النماذج.
ولكن في الوقت نفسه فإن المحتوى التحريري للكثير منها (وتعد مجلة «كيو نيوز» بمثابة الاستثناء البارز هنا) يميل الى الانخفاض فيما يتعلق بالنقد الذاتي وهو ثمن ربما يتم دفعه من جراء قرب كتابها ومحرريها من الشخصيات البارزة في الحياة الإسلامية البريطانية وكذلك الدولية.وقبل ظهور الشبكة العنكبوتية العالمية، كان معظم هذه الدوريات يناضل من اجل القراء، حيث انه لم يكن هناك مال يذكر او مال محدود يمكن الحصول عليه من خلال التسويق.
وقد اتاحت الانترنت (والاتصالات الحديثة بصورة أكثر عمومية) لأجهزة الإعلام الاسلامية البريطانية جمهوراً عالمياً، وفي الوقت نفسه فتحت الابواب أمام نوعية جديدة تماماً من النشر واجهزة الإعلام التي تقوم على اساس الانترنت.
السيطرة عبر الإنترنت
كان لانتشار الانترنت والتدوين الالكتروني والبث عبر الاتصال الفوري تأثير محدد، وهو انه اتيح امام المسلمين، شأن أي جالية أخرى أو قطاع من الحياة المهنية والاجتماعية، مجال لا حد له للوصول إلى المعلومات.
حيث توجد مواقع الشبكة العنكبوتية لإرضاء احتياجات المسلمين والمسلمات من كل الأعمار والذين يتحدثون مختلف اللغات ويتابعون شتى الاهتمامات وينتمون الى مختلف الفرق والطوائف والمذاهب والنحل.وقد وفرت الانترنت للمسلمين شيئاً طالما شعروا بأنهم قد حرموا منه، وهو القدرة على تحديد الاجندة الإعلامية والتأثير في جمهور المتلقين من دون الاضرار الى التوجه الى قنوات اعلامية اخرى.
وهناك، في هذا الإطار مواقع عديدة تتمتع بقدر هائل من الرواج لدى الناطقين بالانجليزية، ومن ابرزها المواقع التي يطلقها صحافيون متعاطفون مع الأجنحة المعتدلة للتيار والقوى والأحزاب الإسلامية في العديد من أرجاء العالم العربي.
وهناك أيضاً مواقع أخرى على الشبكة العنكبوتية تميل الى مخاطبة المهتمين بالرؤية الاسلامية الصوفية، والتي يمكن لجمهورها الاطلاع على احدث مساهمات المتحمسين لهذه الرؤية سواء أكانوا من العالم الإسلامي او شبه القارة الهندية او اوروبا او الولايات المتحدة.
عبر الأثير
في إطار البث الفضائي شكلت اطلالة قناة الجزيرة الناطقة باللغة الانجليزية تطوراً مهماً، خاصة ان العديد من مذيعيها والمساهمين فيها معروفون لمشاهدي التلفزيون البريطاني، وفي مقدمتهم سير ديفيد فروست وراجح عمر المراسل السابق للبي. بي. سي. والشيء المميز لهذه القناة حقاً هو ان ادارتها ومحرريها ومنتجيها هم مزيج من الإعلاميين من البلاد العربية والدول النامية الأخرى وكذلك من أوروبا والولايات المتحدة. ويحرص مسؤولو القناة على تأكيد انه ما من منظور وطني واحد سيؤطر تغطية المحطة للأحداث والفعاليات على اختلافها.
وقد تابع مشاهدو التلفزيون في بريطانيا تطوراً مهماً في عام 2004 وهو تقديم القناة الرابعة للتلفزيون البريطاني لبرنامج الشريعة على شاشة التلفزيون، الذي تقوم فيه مجموعة من المسلمين البارزين من بريطانيا بمناقشة القضايا الأكثر اهمية في حياة المسلمين مع الجمهور من الشباب الإسلامي. واللقاءات التلفزيونية مع كبار الفقهاء المسلمين هي امور مألوفة في برامج التلفزيون على امتداد العالم الإسلامي، ولكن ما هو جديد في هذا البرنامج هو تشجيع شباب المسلمين على طرح الأسئلة والقضايا التي يهتمون بها ومناقشتها مع ابرز الفقهاء المسلمين.
ويعد البث الفضائي من بنغلاديش وباكستان وغيرهما مما يحرص المسلمون في بريطانيا على متابعته كذلك، بما في ذلك الأخبار وبرامج الترفيه والتعليم. ولكن قناة «إسلام تشانل» التي تبث بالانجليزية على مدار 24 ساعة في اليوم من لندن هي الأكثر وضوحاً في الرغبة في نشر الإسلام وتقويم ما ترى أنه رؤية اسلامية لأحداث العالم.
ومن المشروعات الرائدة للبث البديل ما يسمى بشبكة اذاعات رمضان. ففي عام 1992 قام مسعود صادق، وهو اذاعي مسلم من برادفورد بالتقدم الى ما كان يعرف آنذاك بسلطة الاذاعة للحصول على ترخيص بالخدمة الاذاعية المحدودة، وذلك للقيام ببث اذاعي في منطقة برادفورد خلال شهر رمضان.
وكانت هذه التصاريح تستهدف اعطاء المجتمعات امكانية الوصول الى البث الاذاعي قبل أيام الإنترنت.وفي الوقت الحالي هناك 40 محطة اذاعية مؤقتة تبث ارسالها الى جمهور المستمعين البريطانيين في كل رمضان، حيث تتراوح برامجها بين الدردشات الخفيفة والخطب الدينية والأناشيد الإسلامية وجلسات الاسئلة والرواد مع كبار رجال الدين والفقهاء المسلمين.
كامل يوسف حسين


