في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، كانت أحوال الدولة العثمانية ـــ الرجل المريض ـــ قد تردت في هاوية من الفساد والضعف والتخلف، وتفاقمت ـــ في ظلها ـــ أحوال البلاد العربية، وبخاصة سوريا ولبنان، اللذين بلغ القهر والاستبداد والفقر فيهما دركا لا يطاق، الأمر الذي اضطر كثيرا من أبنائهما إلى الارتحال عن الوطن، سعيا إلى الحرية والأمن والرزق، بعيدا في أرض العالم الجديد.. القارتين الأميركيتين.

كان بين المهاجرين، شباب ورجال يحملون بين جوانحهم مواهب أدبية، تفتحت ونمت وأبدعت في البيئة الجديدة، فكان ما عرف في الأدب العربي الحديث «بأدب المهجر»، وهو ثمار قرائح أدباء بلا حدود، كالنسور المحلقة.كان بين هؤلاء الأدباء بلا حدود، طفل أو صبي نحيل، قدر له فيما بعد ان يوصف بأنه «أمير شعراء المهجر» وهو الشاعر الأديب بلا حدود «إيليا أبو ماضي».في عام 1889 ـــ على الأرجح ـــ ولد إيليا أبو ماضي في قرية «المحيدثة» جارة بكفيا التي تحيط بها بدائع الطبيعة اللبنانية: التلال والأودية وأشجار الصنوبر والسنديان، وجبل صنين الشامخ.

وفي مدرسة القرية تلقى معارفه الأولى. وما ان بلغ الحادية عشرة من عمره حتى نشر جناحيه الغضين، ورحل عبر البحر إلى الإسكندرية، واجهة مصر الزاهرة، التي كانت آنذاك عامرة بكثيرين من أبناء وطنه اللبنانيين والسوريين، يعملون بالتجارة، وبعضهم من المتعلمين يعملون في وظائف مختلفة ومنها الصحافة.

لم يكن امام الصبي «إيليا» سوى العمل في بيع السجاير في متجر عمه. لكن طموحه وشغفه بالتعلم دفعاه إلى الالتحاق ببعض الكتاتيب، والى الاقبال النهم على القراءة في كتب اللغة والأدب، فاغتنت معارفه، وبدأت براعم الموهبة الكامنة بين ضلوعه تبزغ، وتبدع أشعارا واعدة، ما لبث بعضها أن رأى النور على صفحات بعض الصحف والمجلات، مثل مجلة «الزهور» التي أنشأها ابن وطنه الصحافي الكبير أنطون الجميل، ومجلة «العلم».

عاش «إيليا أبو ماضي» في الإسكندرية نحو أحد عشر عاما، كانت ـــ رغم عناء العمل المبكر، وضيق ذات اليد، والانطواء والصيت المغمور ـــ مفيدة ومثمرة، فقد زودته بحصيلة غنية من الثقافة في اللغة والتراث والخبرة بالحياة، والاستنارة بتيارات الفكر الاستنهاضي الوطني والقومي التي كانت تموج بها الحياة في مصر، والتي دفقها رواد النهضة: «الأفغاني» و«محمد عبده» و«الكواكبي» و«مصطفى كامل»، وكوكبة العرب من المشرق والمغرب الذين كانت تضمهم مصر آنذاك.

وفضلا عن ذلك، فإن سنوات الإسكندرية أثمرت أول ديوان شعر، أصدره أبو ماضي عام 1911 وكان بعنوان «تذكار الماضي»، وفي خمس وثمانين صفحة، وبينما حرص حذره من السلطة العثمانية على ألا يضمنه شيئا عن السياسة والحرية والوطنية، فإنه أورد فيه ما يبين تفاعله مع أحداث زمانه، كرثائه للامام الحكيم «محمد عبده»، وفقيد الوطنية «مصطفى كامل»، واللغوي الشاعر اللبناني المهاجر إلى مصر «إبراهيم اليازجي»، فضلا عن النقد الاجتماعي والغزل.على ان أهم ما تضمنه ديوانه كان مشاعر المحبة التي لازمت قلبه طوال عمره، نحو مصر وأهلها ونيلها:

مضى عام علي بأرض مصر

وذا عام وسوف يجيء عام

وما مصر التي ملكت فؤادي

ولكن أهلها قوم كرام

ودادهم على الأيام باق

وجارهم عزيز لا يضام

ومن أخلاقهم لين الحميا

إذا انتسبت إلى اللين المدام

بل ان الشاعر صدر ديوانه بإهدائه إلى الأمة المصرية، فقال: «أيتها الأمة الودود، هذا ديواني الذي نظمته تحت سمائك وبين مغانيك. أرفعه إليك لا طلبا للمثوبة، ولا ابتغاء للشكر، ولكن إظهارا لما تكنه جوانحي من العطف عليك، والتعلق بك، وهو بحمدالله لا يجمع بين دفتيه سوى ما يرضي الحق، ويرضي هذا الفن الجميل، ولقد يكون لي ان أهديه إلى أحد أفرادك من ذوي الفضل، جريا مع العادة، ولكنني رأيت المجموع خيرا وأبقى».

في عام 1912، تلقى «إيليا أبو ماضي» رسالة من أخيه «مراد» المهاجر إلى الولايات المتحدة، تستدعيه وتشجعه على الهجرة، وتحركت في نفسه نوازع الترحال، فودع الإسكندرية مبحرا إلى العالم الجديد.

في مقاطعة «أوهايو» بدأ «أبو ماضي» حياته في أميركا. وطوال أربع سنوات فيها، عمل بالتجارة. ثم انتقل إلى «نيويورك»، المدينة التي جسدت الحياة الأميركية الجديدة، بآليتها وصخبها وماديتها التي تلتهم الهدوء الشعري والمشاعر العاطفية والإنسانية الرقيقة، فدفعه ذلك إلى تمسكه بقيمه، وإلى تشبثه بإنسانيته ومشاعره تجاه وطنه وثقافته، وراح يعبر في شعره عن المعارف التي تجنبها قديما، من الشدو للحرية والوطنية والتأملات العميقة في شؤون الكون والحياة.

وانضم «أبو ماضي» إلى «الرابطة القلمية» التي ضمت أعلام الأدب المهجري: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، ونسيب عريضة وغيرهم. ويلخص أبو ماضي أعماله في نيويورك فيقول: (انتقلت إلى نيويورك عام 1916، إذ تلقيت دعوة من بعض الشباب العربي الفلسطيني يعهدون إلي بتحرير «المجلة العربية» التي كانوا يصدرونها في نيويورك.

قبلت الدعوة ورأست تحرير المجلة المذكورة، ولم يطل الوقت حتى أسهمت في تحرير «الفتاة» التي كان يصدرها إذ ذاك صديقنا «شكرى البخاش» وفي عام 1918 انصرفت إلى تحرير جريدة «مرآة الغرب». وفي عام 1928 تركت (المرآة) وفي 1929 أصدرت مجلة «السمير» وكنت أصدرها مرتين في كل شهر. وفي سنة 1936 حولتها إلى جريدة يومية..».

في المهجر، تطورت أفكار «إيليا أبو ماضي»، وحلقت تأملاته في آفاق بلا حدود، وتخلصت لغته من جمود التعابير والأساليب القديمة، لتكتسب روحاً جديدة أكثر بساطة ويسرا، وأعمق صدقا عما في القلب والعقل، وتجلى ذلك في شعره يوما بعد يوم. في سنة 1916 أصدر «ديوان إيليا أبو ماضي» الذي ضم مجموعة من شعر التأملات والشعر الوطني والقصص الشعري العاطفي، وفيه ظهر تطور لغته وإن بقيت آثار من لغة ديوانه الباكر، وأساليبه القديمة.

وفي سنة 1927 نشر ديوانه «الجداول» بمقدمة للشاعر ميخائيل نعيمة تقول: «فبين هذه الجداول ماتنساب معه روحي مترقرقة، مترنمة، مطمئنة، جذلة بنور في عينيها، وجمال في جانبيها، مرحة بحرية لا أرصاد عليها ولا قيود، ومدى لا آفاق له ولا حدود».

وفي هذا الديوان، فتن شاعرنا جماهير المثقفين في الوطن العربي، واشتهرت منه بخاصة مطولته البديعة «الطلاسم» أو «لست أدري» كما عرفها الناس بعد أن شدا ببعض أبياتها الموسيقار محمد عبدالوهاب.

جئت لا أعلم من أين، ولكني أتيت

ولقد أبصرت قدامي طريقا، فمشيت

وسأبقى سائرا، إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري

وفي سنة 1940 ظهر ديوان الخمائل، أكثر نضجا، وبلغ أبو ماضي به قمة مجده، وتربع على عرش شعر التفاؤل والابتسام والأمل، رغم كل ما في الوجود من أحزان وهموم.

قال:السماء كئيبة وتجهما

قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما

قال: البشاشة ليست تسعد كائنا

يزتي إلى الدنيا ويذهب مرغما

قلت: ابتسم مادام بينك والردى

شبر، فإنك بعد لن تتبسما

أبسمي كالورد في فجر الضياء

وابسمي كالنجم إن جن المساء

وإذا ما كفن الثلج الثرى

وإذا ما ستر الغيم السماء

وتعرى الروض من أزهاره

وتوارى النور في كهف الشتاء

فاحلمي بالصيف ثم ابتسمي

تخلقي حولك زهرا وشذا

وإذا سر نفوسا أنها

تحس الأخذ فسرى بالعطاء

وإذا أعياك أن تعطي الغنى

فافرحي أنك تعطين الرجاء!

وعقب وفاته، بادر محبوه في بيروت بجمع قصائده التي لم تنشر في دواوينه في ديوان حمل عنوان «تبر وتراب». في أواخر عام 1948، عاد الطائر المهاجر والشاعر الأديب بلا حدود لزيارة وطنه الذي طالما شدا حنينا إليه، فلقي فيضا من المحبة والتكريم والاعتزاز، ومنحته الحكومة اللبنانية وسام الاستحقاق والأرز. واحتفلت به سوريا وعلق الرئيس السوري شكري القوتلي على صدره وسام الاستحقاق الممتاز.

وفي صباح السبت الثالث والعشرين من نوفمبر 1957، فاضت روح إيليا أبو ماضي في بيته بنيويورك، وطويت صفحة حياته، بينما بقيت وستبقى كلماته وأشعاره ربيعا أخضر على الدوام، وأنغاما عذبة في شفاه الحياة، تشدو للأمل، والحكمة، والحب، وللحرية والإخاء، وللوطن:

إني مررت على الرياض الحالية

وسمعت أنغام الطيور الشادية

فطربت، لكن لم يحب فؤاديه

كطيور أرضي أو زهور بلادي

وشربت ماء النيل شيخ الأنهر

فكأنني قد ذقت ماء الكوثر

نهر تبارك من قديم الأعصر

عذب، ولكن لا كماء بلادي

عبد الوهاب قتاية