عصر المادة الذي غلبت فيه الأمور المادية الجافة على الروحانيات والود والوصال الاجتماعي، وغلبت فيه الأهواء والنفس الأمارة بالسوء على كثير من القيم والمبادئ والتعاليم، التي حث عليها الدين الإسلامي الحنيف، يعكس كيف أصبح القريب الصديق الوفي الصادق من أغلى الثروات وأندرها، وصار الجميع وفق ذلك يتمنون ان يكون لهم أقرباء يصلونهم في محبة الله دون طمع في أمور دنيوية, هكذا باتت صلة الرحم في المجتمعات الإسلامية أموراً ثانوية حتى وصل الأمر إلى أن بعض الأسر لا تجتمع مع بعضها البعض إلا في المناسبات، ومن ثم اختفت العلاقات الأخوية والزيارات الودية لانشغال الناس بالمادة، تلك التي طغت على كثير من القيم الحميدة.
يقول د. منيع عبدالحليم محمود عميد كلية أصول الدين السابق: ان للقرابة حقاً أوجبه الله يجب مراعاته والقيام به ومن كان أقرب فحقه ألزم وأوجب، فحقوق القرابة حق بأن يصل الإنسان من وصل رحمه، وضرورة لكل من أراد أن يبسط في رزقه وان يطيل الله في عمره، لقوله: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه».ويوضح أن صلة الرحم سبب لسعة الرزق ولطول العمر مع الثواب لصاحبه يوم القيامة، وروي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من سر أن يمد له في عمره ويوسع فليتق الله وليصل رحمه»، وكذلك أنه روي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه يقول «إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع بهما المكروه والمحذور».
ويضيف: إن صلة الرحم من الأعمال الجليلة، التي رغب فيها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولقد قال عز وجل «وآت ذا القربى حقه»، وقال صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه»، وقال إن صلة الرحم تضاعف ويعظم أجرها مع القطيعة.حيث قال رسول الله: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها», وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتصفح عمن شتمك»، وقال فضيلته فعلى العباد أن يحذروا من قطيعة الرحم، فإنها شؤم وخسران في الدنيا وعقوبة وعذاب في الآخرة إنها سبب للعنة الله والإعراض عن الحق قال تعالى: (فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم).
ويشدد على أن قاطع الرحم عرض نفسه للحرمان العظيم والوعيد الشديد، لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يدخل الجنة قاطع» يعني قاطع رحم، كان ابن مسعود رضي الله عنه جالساً بعد الصبح في حلقة، فقال: «أنشد الله قاطع رحم لما قام عنا، فإنا نريد أن ندعو ربنا وأن أبواب السماء مرتجة ـــ أي مغلقة ــــ دون قاطع رحم».
مشيراً إلى أن صلة الرحم تعود على الأقارب بالنفع في دينهم ودنياهم في حدود الشرع، اما مناصرتهم بالباطل وعدم ردعهم فإن هذا لا يعتبر من الصلة وإنما هو حمة الجاهلية وأعمالهم، وقد ذم الله المتصفين بها بقوله «إذا جعل الدين والدنيا والفوز برضا الله سبحانه وتعالى والحصول على كرامته وأن قطيعة الرحم سبب من أسباب الشقاء في الدنيا والآخرة ومن أعظم الأسباب للتعرض لسخط الله وأليم عذابه».. روى البخاري عن أبي أيوب رضي الله عنه: «أن رجلاً قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويبعدني من النار، فقال النبي عليه السلام تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم».
التوحيد بالإحسان
من جانبه يرى د. عبدالمقصود باشا بجامعة الأزهر الشريف أن أسرة الإنسان وقرابته هم عدته وسنده وأصله وقوته، ما أمر الله بتوحيده وما نهي عن الإشراك به، وقرن ذلك بالإحسان إلى الوالدين والأقرباء، وأن صلة الأرحام حق لكل من يمت إليك بصلة ونسب أو قرابة وكلما كان حقه ألزم وأوجب، وأساس التواصل والرباط لموثق هو التواد والتراحم وقد تقطعت الأوصال واستشرى الفساد وحفت لعنة الله.
ويشير د. عبدالمقصود إلى أنه بصلة الرحم تقوى المودة وتزيد المحبة وتتوثق عرى القرابة وتزول العداوة والشحناء ويحن ذو الرحم أهله، موضحاً أن صلة الرحم والإحسان إلى الأقربين ذات مجالات واسعة ودروب شتى، فمن بشاشة عند اللقاء ولين المعاملة إلى طيب القول وطلاقة في الوجه إنها زيارات وصلات تفقد مراسلة إحسان إلى المحتاج وبذل للمعروف وتبادل للهدايا، ينضم إلى ذلك غض عن الهفوات وعفو عن الزلات وإقالة للعثرات، عدل وإنصاف واجتهاد في الدعاء بالتوفيق والصلاح وأصدق من ذلك وأعظم مداومة الصلة ولو قطعوا والمبادرة بالمغفرة إذا أخطأوا والإحسان إليهم ولو أساءوا, وقال ان مقابلة الإحسان بالإحسان مكافرة ومجاوزة.
ويشدد على أهمية صلة الرحم وطاعة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يقول: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها»، حيث جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئوا إلى وأحلم إليهم ويجهلون علي، فقال سورة المؤمنون مشيراً إلى أنه مع هذه الآيات والأحاديث.
فإن في الناس من تمـوت عواطفه ويزيغ عن الرشد فؤاده فلا يلتفت إلى أهله ولا يسأل عن قريب أن العار فيمن منحه الله جاهاً وأحسن له رزقاً، ثم يتنكر لأقاربه أو يتعالى عليهم، بل قد يرتفع أنه سبب إليهم فضلاً عن أن يشلهم بمعروفه ويمد لهم يد الإحسان.
أعظم الكبائر
ويوضح الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الشريف السابق، أن تقطيع الأرحام من أعظم الكبائر وعقوبتها معجلة في الدنيا قبل الآخرة، فقد أخرج أبو داوود والترمذي وصححه والحاكم عن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم»، مشيراً إلى أن الإمام أحمد والبخاري رويا في الأدب والمفرد ـــ رواه أحمد ثقات ـــ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أعمال بني آدم تعرض كل عشية خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم».
ويقول: إن أسـرع الخير ثواباً البر وصلـة الرحـم وأسرع الشر عقوبة البغي، بهذا قد يجر إلى نفسه وأهله العداوة والجفاء فيستحقون اللعنة وزوال النعمة وسوء العاقبة، قال تعالى: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفســدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)، ولقد أوصى زين العابدين بن علي بن الحسين ابنه رضي الله عنهــم أجمعـــين: فقال لا تصالح قاطع رحم فأتى وحدته ملعوناً في كتاب الله في ثلاثـة مواضع فعليكم أيها الأخوة القراء أن تصلوا أرحامكم فأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض .
ويضيف: قدموا لهم الخير ولو جفوا وصلوهم وأن قطعوا يديم الله عليكم ويبسط لكم في الأرزاق ويبارك في الأعمار، قال تعالى : «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون»، هكذا تعد صلة الرحم من أوجب الواجبات على المسلم خاصة في فترة الإجازات السنوية والمدرسية، حيث لدى الإنسان الوقت الكافي فيجب عليه أن يستغله فيما يعود عليه بالنفع.


