«رمضان ع البال» هي إطلالة نعود بها من وقت إلى آخر مع أعمال تلفزيونية كانت تؤنس الناس في الأمسيات الرمضانية، وشكلت مساراً إبداعياً في الأعمال الدرامية والتي بفضلها تحتل دبي اليوم مكانة متقدمة في مسارها الراهن لتكون عاصمة للإنتاج الدرامي العربي عموما والخليجي خصوصاً.
في كل مرة أشاهد فيه «ليالي الحلمية» اشعر أنني أمام صناعة درامية، راقية أتاحت المجال للمشاهد العربي أن يطلع على مراحل مهمة ومتشعبة من مراحل المد القومي العربي والذي كانت مصر مركزا له، وبالتالي لا يمكن أن ننظر لهذه الدراما بدون أن نعتبرها الأب الشرعي للدراما العربية الحديثة، ونقدر صاحبها الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة احد الأقلام الأكثر إثارة وبراعة في تقديم الحدث الدرامي ابنا للواقع من دون مجاملات ومن دون تزييف.
لست وحدي من شاهد «ليالي الحلمية» بأجزائها السبعة مرة واثنتين وثلاث بل هناك الكثيرون، ولا نغالي إن قلنا إن «ليالي الحلمية» التي قدمت في ثمانينات القرن الماضي تعتبر مدرسة فكرية ومهنية على درجة عالية من الأهمية لجهة الصنعة الدرامية، وإذا قدر للدراما التلفزيونية العربية أن تدرس بعناية ويحكى عنها كدراسة نقدية، فلا بد أن يكون لـ «ليالي الحلمية» مكانا فاعلا بين تلك الأعمال .
ربما اشتكت «ليالي الحلمية» في أجزائها الأخيرة من الترهل والمماطلة في الأحداث، ولكن هذا لم يخفف من وهج القصة المحبوكة التي شهد صراعاتها العمدة سليمان غانم والباشا سليم البدري.
وإذا كان الصراع في أساسه صراع طبقات اجتماعية عرفته مصر في مرحلة من مراحلها الماضية، إلا أنه في جوهره حكاية مرحلة وشعب بشرائحه الكثيرة، جملت شخصياته بألوان الواقع والحاضر وتلونت بألوان غير ألوانها ووضعت أقنعتها في الوقت الذي ما كان ينفع غير القناع كي يبرز المرء في عالم غير عالمه وكي يتدثر بلحاف أكبر منه.
لم يدخر عكاشة في الليالي التي قدمها برفقة توأمه الفني إسماعيل عبد الحافظ صراعا دراميا لم ينمه ويقوي من وشائجه وهكذا كان المشاهد على تماس مع الحدث بما في ذلك الإثارة التي تشغلها على كل الجبهات الدرامية في العمل ويبرز العنصر الحكائي كأحد ابرز سمات الليالي التي أعادت للأذهان علاقة عكاشة مع الرواية كجنس أدبي قدمه أديب غير ناجح في البداية للوسط الأدبي المصري.
وذات مرة التقيت بالكاتب الكبير في دمشق وكنت وقتها بالصدفة قد أنهيت متابعة تفاصيل الحلمية فقلت له إنني لا أمل من متابعة هذه الأجزاء، فعلق قائلا، لان الحلمية عمل أصيل من رحم الأزمة والمعاناة التي عاشها الشعب المصري والتي عرفها عنه الشعب العربي، والحلمية تميزت بأنها قراءة دقيقة للماضي وواعية للمستقبل.
الحديث عن الحلمية لا يمكن أن تفصله عن صناعة النجوم في الدراما المصرية، فمعظم ممثلي العمل تحولوا إلى نجوم في الوسط الفني المصري، وارتفعت أجورهم وزينوا صفحات الجرائد والمجلات من دون أن ينكروا في يوم من الأيام أنهم درسوا المسرح والسينما، ولكن الحلمية هي من قدمهم للوسط الفني وجعلت منهم نجوما مثل هشام سليم وممدوح عبد العليم وآثار الحكيم وغيرهم، في حين يتوقف نجوم العمل مثل صلاح السعدني ويحيى الفخراني وصفية العمري ليقولوا ما أجمل أيام الحلمية...
ونحن في أجواء رمضان نستعيد معكم هذا العمل بحب كبير ويجوز للمخرج إسماعيل عبد الحافظ أن يقول إنه ملحمة مصرية معاصرة كما يحق لكاتبه أن يقول إنه عمل العرب الدرامي الأول.
جمال آدم
