الإبداع قدرة يهبها الله لقلة من عباده لتميزهم عن غيرهم من العباد، مهارة لا يمكن أن تقاس أبدا بالناتج بل بالأثر فلا أحد ينكر الدور الذي لعبه الفيزيائي نيوتن باكتشافه قوانين الجاذبية، وجميعنا يعرف جيدا عبقرية ابن خلدون من خلال مقدمته التي تركها، هكذا الإبداع يتضح من أقل الأثر، فالشاعر ربما يخلد ذكراه بقصيدة واحدة بل بعدة أبيات من الشعر، وكذلك ربما يخلد الممثل ذكره بأدائه لدور واحد لكن الإبداع كان وسيلته في الأداء. كل هذه المعاني امتلكتني عندما جلست أستمع ابتهال «سألتك يا من لا يخيب من سأل» للمبدع القدير الشيخ محمود علي البنا.
هذه القيمة القرآنية العالية، الذي استطاع أن يحفر لنفسه مكانة كبيرة بين قراء القرآن بما صنعه من مجد ناتج عن إبداعه، إلا أنني بعد سماعي لهذا الابتهال النادر تيقنت أن هذه المكانة لم تأت من فراغ بل هي نتاج اقتدار وتمكن، فالروعة هي عنوان أدائه في هذا الابتهال، حقا يمتلك هذا الرجل صوتاً ملائكياً يسحر كل من يسمعه ويجبره على المواصلة.. هو صوت يقولون عنه أنه ملائكي.. يفسر الكلمات ويصور معاني القرآن.. تقشعر لصوته الأبدان.. جريء في الحق.. يسعى لتحقيق آمال زملائه القراء والمبتهلين دائما.. عند ظهوره واعتماده بالإذاعة أضرب القراء عن التلاوة في الإذاعة.
الشيخ محمود علي البنا من مواليد قرية شبرا باص مركز شبين الكوم محافظة المنوفية في السابع عشر من ديسمبر عام 1926م، وهو أول أخوته الذكور والثاني في الترتيب، كان أبوه فلاحاً ولا يعيش له ذكور فنذره للقرآن وخدمة أهله منذ ولادته تيمناً بأن يكون خادماً للقرآن, وفي سن مبكرة ألحقه بكتاب القرية قبل أن يتم الخمس سنوات فأتم حفظ القرآن في التاسعة من عمره فكان أصغر طفل بالقرية يحفظ القرآن الكريم كله، وقد حاول جده أن يلحقه بمعهد المنشاوي الديني بمحافظة طنطا إلا أن صغر سنه حال دون ذلك. هروب إلى القرآن. لما بلغ البنا الثانية عشرة من عمره انتقل إلى مدينة طنطا والتحق بالمعهد الديني وظل يدرس به ويعيش بمفرده بعيداً عن والده, وكانت مدينة طنطا في ذلك الوقت عامرة بالقراء العظام كالشيخ سعودي والشعشاعي فأخذ يتردد على أماكن تواجد هؤلاء القراء ليستمع إليهم ويتعلم منهم ثم يعود إلى البيت محاولاً تقليد أسلوبهم وطريقة أدائهم حتى انتشر صيته بين زملائه الدارسين بالمعهد، فوصل ذلك إلى أن يقرأ عليهما ما تيسر من القرآن فأثنيا عليه وأشارا عليه بالتفرغ لدراسة علوم القرآن وتجويده وأن يترك الدراسة بالمعهد.
وبالفعل، ترك البنا المعهد دون أن يبلغ والده وذهب إلى المسجد الأحمدي بمدينة طنطا، والتقى الشيخ إبراهيم سلام شيخ المقرأة، ولكن الشيخ طلب منه قراءة القرآن عليه، ليقرر مدى أهليته فلما استمع إليه أثنى عليه مما كان له الأثر الطيب في نفس الصبي، فحفظ الشاطبية للأمام الشاطبي.
وكذا تفسيرها ثم قرأ عليه القراءات العشر، واستمر عامين على هذا النحو يتلقى علوم القرآن، وكان والده قد علم بأمره، إلا أنه لثقته به لم يعلق على أمر تركه الدراسة بالمعهد الديني.
وفي عام 1944م نصحه الشيخ إبراهيم سلام بأن يذهب إلى القاهرة ليتعرف على العلوم الجديدة في القرآن وأحكام التلاوة فنزح إلى القاهرة ونزل على بعض الدارسين من أهل قريته واقترب من عظام القراء كالشيخ محمد سلامة والشيخ علي محمود والشيخ طه الفشني ثم ذهب بعد ذلك إلى الشيخ درويش الحريري؛ ليتعلم الموسيقى وعلم المقامات الموسيقية.
ولم يكن قد تجاوز السابعة عشرة من عمره بعد. وفي عام 1947م، استمع إليه بعض المسؤولين بجمعية الشبان المسلمين فقدموه إلى صالح باشا حرب رئيس الجمعية في ذلك الوقت، فكانت تلك هي نقطة الانطلاق ونقطة التحول في حياته، حيث كان صالح باشا حرب صاحب فضل كبير عليه، وكان يعترف بذلك قائلاً: «لقد شجعني صالح باشا وآمن بصوتي، وقرر تعييني قارئاً للسورة بمسجد الشبان المسلمين».
حفل إذاعي
وفي نفس العام، أقامت الجمعية حفلاً بمناسبة العام الهجري، دعي إليه كبار علماء الأزهر كالشيخ دراز وغيره وحضره علي باشا ماهر رئيس الوزراء في ذلك الوقت ومحمد بك قاسم مدير الإذاعة المصرية آنذاك والأميران عبدالله السنوسي وعبدالكريم الخطابي وغيرهم من كبار الضيوف، وكانت الإذاعة تنقل هذا الحفل على الهواء.
وحينئذ عرض صالح باشا حرب على المسؤولين بالإذاعة أن يحيي الحفل الشيخ محمود البنا، إلا أن محمد بك قاسم مدير الإذاعة اعتذر لصالح باشا حرب وقال إنه لا يجوز للإذاعة أن تنقل الحفل إلا لقارئ معتمد بها فوافق صالح باشا حرب وطلب من محمد بك قاسم أن يستمع هو والحاضرون إلى صوت القارئ البنا بعد انتهاء الحفل، وقد حدث ذلك وبعد أن انتهى الشيخ البنا من القراءة أثنى عليه الحاضرون.
وطلب منه محمد بك قاسم أن يذهب للإذاعة، ليعقد له امتحان أمام اللجنة، وبالفعل ذهب الشيخ محمود في اليوم التالي وتقدم لأعضاء اللجنة فتم اعتماده مقرئاً بالإذاعة المصرية وعمره لم يتجاوز العشرين عاماً أو يزيد بعام واحد، فكان أصغر قارئ يعتمد بالإذاعة المصرية في ذلك الوقت من عام 1948م.
وفي عام 1948م كان أول لقاء بينه وبين المستمعين عبر الإذاعة، فلم ينم تلك الليلة التي ظل يسأل نفسه فيها هل سيتحقق الحلم ويجلس أمام ميكروفون الإذاعة على الهواء مباشرة ليسمعه العالم كله كان لا يصدق نفسه، كما قال لي وظل قلقاً طوال الليل .
وقد ذهب إلى الإذاعة المصرية صبيحة تلك الليلة، وكان نفسه جيداً وحالته الصحية على ما يرام، وظل على هذه الحالة حتى قدمته الأستاذة صفية المهندس وبعد أن بدأ بالاستعاذة شعر بقصر في نفسه ورهبة ورعشة في جسمه وانتابته حالة من عدم القدرة على القراءة.
فحجبت الأستاذة صفية الإرسال عن المستمعين وهنأته قائلة له: «استمر يا شيخ محمود فصوتك ممتاز، وبالفعل بدأ بالقراءة مرة أخرى إلى أن انتهى من التلاوة وسط تصفيق وتشجيع كل من حضر من العاملين بالأستوديو في تلك اللحظات، فكان لتشجيع السيدة صفية المهندس الأثر الطيب في استعادته ثقته بنفسه وتوكله على الله فكان التوفيق حليفه».
القارئ المبتهل
وبمجرد أن تم اعتماد البنا قارئاً بالإذاعة، حدثت بعض المشاكل والاعتراضات من قبل بعض المقرئين القدامى على مساواته بهم في الأجر، قائلين: «القاري ده لسه ابن إمبارح وده عيل بالنسبة لنا فكيف يتساوى معنا في الأجر, وكان الشيخ مصطفى إسماعيل يتقاضى 12 جنيهاً في الشهر.
وكان الشيخ البنا يتقاضى 6جنيهات في الشهر فاعترضوا على أجر الشيخ مصطفى إسماعيل، ثم على أجر الشيخ محمود البنا، وأضربوا عن قراءة القرآن بالإذاعة، ولم يذهبوا إليها حتى يؤثروا على المسؤولين بالإذاعة؛ لتلبية رغباتهم فتزيد أجورهم أو يتم تخفيض أجر الشيخ البنا على أسوأ تقدير، إلا أن إضرابهم عن القراءة.
وعدم الذهاب للإذاعة كان في صالح الشيخ محمود البنا إذ لم يبق أمام المسؤولين، إلا الشيخ البنا فكان يرفع الأذان على الهواء ويقوم بتلاوة قرآن السهرة والافتتاح، ويؤدي الابتهالات في صلاة الفجر، فأصبح يلتقي بالمستمعين كل يوم دون ترتيب منه إلا أنها إرادة الله عز وجل، فذاعت شهرته أكثر وأكثر بفضل الله تعالى. كان الشيخ البنا، يذكر دائما أن أمه كانت تأخذه وهو رضيع وتزور ضريح الإمام السيد البدوي بمدينة طنطا، وتتمنى على الله أن يجعل ابنها خادماً للمساجد حتى يحظى بالأجر العظيم من الله.
وعندما انتدب الشيخ محمود قارئاً للسورة بالمسجد الأحمدي بمدينة طنطا ذهبت إلى المسجد، ورأت الناس يعانقونه ويقبلونه ويلتفون حوله فتركته وانصرفت إلى بيتها فرحة مستبشرة، فلما ذهب إليها في البيت سألها عن حالها بعد أن رأته والناس يلتفون حوله يعانقونه، قالت له: «رأيتك اليوم رئيساً للخدم والحمد لله فقد استجاب لدعائي»، هكذا تمنت أمه له أن يكون خادما للقرآن وبالفعل تحققت أمانيها كاملة وأصبح ابنها من أكثر خدمة الدين والقرآن إبداعاً وإخلاصاً.


