ذكر الله تبارك وتعالى المرأة في كتابه الكريم مرات كثيرة وحدثنا عنها سبحانه وتعالى في مراحل عدة تعكسها السطور التالية والتي تعرض لمختلف النساء اللائي جاء ذكرهن في القرآن الكريم يقول الله تعالى في كتابه الكريم:(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)

ولم تكن ذرية إبراهيم التي تحدث عنها النص القرآني إلا السيدة هاجر زوج سيدنا إبراهيم وأم ولده البكر إسماعيل وقد علمنا أن والي مصر الجبار عندما حاول أن يؤذي السيدة سارة ولم يستطع أهداها جارية من عنده اسمها «هاجر».والسيدة الفاضلة هاجر هي في واقع الأمر لم تكن إلا أميرة مصرية وتحديدا كانت شقيقة الملك سنوسرت، وعندما أتى الهكسوس ليحتلوا مصر استحوذوا على بلاط الملك ومن فيه فقتلوا الرجال واستبقوا النساء وجعلوهم جواري في بلاطهم وكانت السيدة هاجر فيمن أسروا وأخذوا عنوة في بلاط الوالي ولكنها كانت مستعصمة ذات شرف ومكانة حماها الله عند ولادتها فلم يمسسها بشر، ولما حاول الوالي الجبار أن ينال منها سرت في جسده رجفة عظيمة حتى ابتعد عنها وعلم أن هناك قوة خفية تحميها...!!

والذي يرجح هذا القول هو تصرف هذا الوالي الجبار الذي عرف بولعه الشديد بالنساء وأنه لما حاول النيل من السيدة سارة وشلت ذراعه علم أن هناك صلة ما تربط بين السيدة التي أمامه وتلك التي يعرفها المستعصمة الأبية هاجر ففكر هذا الوالي في إطلاق سراح السيدة سارة ومعها تلك التي على نهجها نهج العفة والإيمان والاستعصام.

وأصل السيدة الكريمة هاجر اختلف فيه علماء كثيرون.. ومهما كانت هذه الاختلافات.. فإن اختيار الله سبحانه وتعالى لمعيشة تلك الفتاة المؤمنة في بيت النبوة الإبراهيمية. كان بمثابة تهيئتها لدور أكبر وتشريفها بمكانة عظمى.فبعد أن لبثت السيدة هاجر عمرا مع السيدة سارة تتعلم منها من أمور الدين والتوحيد والعلم الرباني ويشربان معا من سقيا علم أبو الأنبياء إبراهيم الذي يقول عنه ربه في سورة آل عمران آية 67:(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

ولما تعلمت هاجر من علم الله وبلغت أشدها علمت السيدة سارة أنها بلغت مبلغ الكبر وخشيت على زوجها ألا يكون له ذرية فأهدت إليه هاجر ليكون له منها الذرية.. وما لبثت السيدة هاجر التي أصبحت زوجة لسيدنا إبراهيم إن أنجبت لنبي الله إبراهيم ولداً جميلا حليما سماه «إسماعيل» وما لبثت الأمور أن تغيرت وأصبح من الصعب أن يجمع منزل أبو الأنبياء إبراهيم بالسيدة سارة وهاجر معا فأجره الله تعالى لحكمة قد لاتصل إليها أنها منا ولا ندركها أمره أن يسكنها هي وولدها عند بيته المحرم بمكة ولما تركها إبراهيم عليه السلام ومضى لحاله تعلقت به السيدة هاجر وقالت له: آلله أمرك بهذا؟

قال : نعم ، قالت إذ لن يصيبنا، وهذه الكلمة إن دلت تدل على حسن التوكل على الله تعالى وعظيم ثقتها في فضل خالقها ومولاها كما تنم عن قلب سليم مفعم بالإيمان والاستسلام لقدر الله وإرادته. ولما تركها سيدنا إبراهيم وانصرف داعيا لهما ولسائر ذريته بالخير والبركة ، حيث هاجر إلى مكانها عند البيت ، وهي مطمئنة القلب مستأنسة في وحدتها بربها عز وجل فهو نعم الأنيس.

ولما قرب الزاد والماء على النفاد ظلت المؤمنة الصبور تذكر ربها في نفسها ولم تسكن ولم تبك بل انطلقت تبحث عن الماء هنا وهناك، ثم ما لبثت أن صعدت على جبل الصفا ثم صعدت على جبل المروة لعلها تجد شيئا أو تبصر إنسانا يسعفها بجرعة ماء لرضيعها وكررت ذلك سبع مرات.. ثم ما لبث الله سبحانه وتعالى أن وتر عليها فأنبت لها ولوليدها عينا لا تنضب وبئرا لا تنفد جعل في مائها الشفاء والبركة إلى يومنا هذا إكراما للصبورة الشكورة التي اجتمعت فيها شعب الإيمان كلها واستجمعت لنفسها عزائم المتوكلين وخصائص الموقنين وحسن التوكل على الله والاعتماد عليه والثقة بفضله مع مباشرة الأسباب.

وظلت السيدة الكريمة هاجر مع وليدها وحيدين حتى جاءت عليهما رفقة من قبيلة عربية يقال لهم جرهم فطلبوا منها أن يعيشوا بجوارها لينتفعوا بهذا الماء فأذنت لهم واستأنست بهم، وعاشت هي وولدها إسماعيل في جوار آمن.

وهو جوار الله تبارك وتعالى عند بيته المحرم، ثم في جوار هؤلاء العرب الذين ساقهم الله إليها، كبر إسماعيل وتزوج ولما بلغ سن الأربعين بعثه الله للناس يدعوهم إلى التوحيد وإلى دين أبيه ودين الأنبياء جميعا- وبينما كان إسماعيل عليه السلام عائدا من رحلة في جنوب شبه الجزيرة العربية ماتت السيدة هاجر رضي الله عنها ودفنت بالحجر بجوار الكعبة.

ماتت السيدة هاجر جسدا لكنها ظلت للعالمين مثلا حيا على حسن الظن بالله وظلت لنا معشر المسلمين ذكرى حية نقلدها في مناسكنا عندما نحج إلى بيت الله العتيق فاللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

جيهان محمود