(دياب بنوت) خطاط لبناني معروف، بدأت علاقته مع الخط من التراب، حيث كان يسير في أحد الأيام من بيته في أحد أحياء بلدة الشياح (وكان عمره يومها عشر سنوات) قاصداً الطريق العام ولأنه كان مضطراً للانتظار طويلاً وبشكل متكرر ودائم فكر باستغلال الوقت بشيء مفيد، وفي أحد الأيام توقفت عيناه على آرمة من الحديد تعلن عن قابلة قانونيّة ومن وقتها بدأ يجلس أمامها متأملاً مدققاً في الكتابة، وكيف كتبت وقرر أن يقلدها على التراب الذي كان يجلس عليه، وبدأ يحفر الحروف بإصبعه ويكرر هذا العمل يومياً دون ملل حتى تمكن من تقليد الآرمة، عندها شعر بميله الشديد إلى الخط العربي، فتابع تقليد عناوين الصحف والمجلات والكتب.. وغيرها.
في المدرسة بدأ دياب بنوت يكتب الخط العربي بالريش والألوان وعندما غادر المدرسة وهو في الثامنة عشر من عمره بدأ العمل في صحيفة فرنسية وفي المساء يعود إلى المنزل ويزاول الخط والتمارين كالمعتاد، لكن دون أن يدرك سر الكتابة وأصولها وقواعدها إلى أن أرشده أحد الزملاء ناصحاً إياه الالتحاق بأحد الخطاطين المعروفين وتعلم أصول الخط منه، وهذا ما كان. بعدها انتقل الخطاط دياب للعمل في مطبعة، ما وفر له الاحتكاك بالكليشهات التي تنفذ وتطبع بوساطتها الخطوط والعناوين، ومنها خطوط لأشهر خطاطي لبنان آنذاك (كامل البابا) حيث عكف على دراستها بإمعان ودقة.
يقول الخطاط دياب إنه قديماً كان الخطاطون يركضون مع عجلة الطباعة، لكن بوجود الحاسوب تجمدت أعمالهن ويشير إلى أنه في السابق كان الكتاب يحرصون على أن تكون عناوين كتبهم مخطوطة بنماذج من الخط العربي، وأشهرها الثلث، كان ذلك هو الزمن الذهبي للخطاطين وكانوا يتبارون من يكتب أجمل عنوان للكتب حتى يكون مقصوداً من جميع الأدباء والناشرين. تأثر الخطاط بنوت دياب كثيراً بالخطاط الرائد كامل البابا، ثم تعرف على خطوط حامد الأمدي، ومحمد هاشم البغدادي، وسيد إبراهيم، وعبد العزيز الرفاعي .. وغيرهم، وآخر ما ولع به خطوط الشيخ سامي التركي الذي صنع الطغراء التركية.
يقول الخطاط دياب إن الحرف العربي هو صورة متكاملة ومتحركة كما قال (ياقوت المستعصي) (الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية) وهذا يعني أننا لو كتبنا حرفاً بقاعدته الأصلية ووضعناه ضمن برواز نراه يتحرك كالصورة.
استفاد الخطاط بنوت كثيراً من عمله في مجال الطباعة، حيث تعرف إلى جميع الخطوط العربيّة وكيفية وصل حروفها، والتمييز بينها ووضعها في إطارها بحجم المقالات والعناوين، مع تعديل بعض حروفها، وكانت لديه الرغبة في مواصلة التمرينات التي يحتاجها طوال الوقت كي لا ينسى قواعدها التي حفظها عن ظهر قلب، فكانت بذلك تشكل كيانه في الحياة.
ويؤكد الخطاط بنوت أن كتابته للآيات القرآنية أتاحت له ممارسة قاعدة التراكيب لأن الآية القرآنية يلزمها تصميم في البداية حتى تأتي بأشكال معينة معبرة مثل الشكل الدائري أو البيضاوي، لتعطي مجالاً آخاذاً يزين المنازل والأماكن العامة، كما أن خط الثلث لم يكن يستخدم فقط للأعمال القرآنية بل كان يستخدم أيضاً في عناوين الدوائر الرسمية وعلى أبواب الكنائس.
تناول الخطاط دياب بنوت في لوحاته إلى جانب الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، المأثورات والحكم والعناوين المختلفة، وكان يهدف من معالجته لهذه الموضوعات إبراز الخط المتراكب،ويقوم هذا التراكب على إبراز الفراغات والسواد في اللوحة إذ يجب أن تكون اللوحة متساوية حتى لا يكون هناك فراغ أسود زائد وأن تكون واضحة من دون شذوذ لتكون مطابقة لقواعدها السليمة.
د. محمود شاهين



