الموهبة لا تعرف جنسية ولا لغة وتكون فعالة إذا ارتبطت بالإبداع، عندها يكون الإنتاج الإنساني الحقيقي، والحقيقة أن الإبداع لا يرتبط أبداً باليأس فالشخص المبدع لا ييأس لأن لديه ما هو أقوى وقدرته على التحدي كبيرة، هذا ما يؤمن به أحمد المزروعي الشاب الإماراتي الذي امتلك موهبة إبداعية من خلال علاقة وطيدة نشأت بينه وبين السيارة منذ صغره، والتي تحولت إلى إنتاج ملموس حين قرر ألا يقف عند حدود المستهلك للسيارة، فبدأ المشوار بحلم وتجربة ومن ثم أصبح مشروعا واقعيا شهد له الكثيرون ووصفوه بالإبداع.
يمكن لأي إنسان منا يحلم بسيارة بطراز أو شكل خاص أن يحصل على طلبه وبتميز وبيد محلية ماهرة، ذلك ما عكسه إبداع وجهد المزروعي وحصل على التشجيع والإطراء ولكنه لم ينل حقه بعد لترى أعماله طريقها نحو العطاء للوطن كما يجب، لذا يشدد دائما على ضرورة وجود ثقة في القدرات والإمكانات البشرية الإماراتية وإلا ستبقى حبيسة ذاتها دون أن تنال فرصتها، فصناعة السيارات عالم كبير ولكن في النهاية هو إنتاج بشري والإنسان الإماراتي قادر على المنافسة في أي مجال والإبداع فيه.
التقينا المزروعي لنتعرف على مشواره مع صناعة السيارات كيف بدأ و إلى أين وصل وما أحلامه في إنتاج السيارات، وأشياء أخرى تطرقنا إليها في السطور التالية..• بدايات المزروعي في عالم السيارات.. كيف كانت؟ــ منذ صغري أحببت السيارة وتمكنت من قيادتها وعمري ثماني سنوات، ففي وقت كان الأطفال فيه يلعبون بسيارات الألعاب كانت أناملي تحتك بسيارة حقيقية وهذه العلاقة تطورت إلى اهتمام وبحث مع نضجي إلى أن أصبحت أعرف كيفية علاج مشكلات وأعطاب السيارة وكيفية تصليحها ومررت بفترة أصلح فيها سيارات في ورشتي الخاصة ولكن ما بداخلي كان أكبر وحلمت بصناعة سيارة وتجميع قطع غيارها بشكل مختلف .
وكانت بالفعل أولى تجاربي بتصنيع سيارة في العام 2001م ولكن واجهتني بعض المشاكل المرتبطة بعملية التحكم فيها والسيطرة عليها ومنها تعرفت على جوانب الضعف ليكون إنتاجي لأول سيارة ناجحة في العام 2003م والتي حملت اسم SBC وهي اختصار «sport baggy classic» وقد سجلتها في مرور دبي وحصلت على الاعتراف وتحظى هذه السيارة بمكانة خاصة لدي ولن أتخلى عنها أبدا كونها مفتاح انتشاري ونجاحي حتى أن ورشي حملت اسم هذه السيارة.
• ما هي دراستك وهل لها علاقة بعالم الميكانيكا؟
ــ أحمل شهادة ثانوية عامة لأن علاقتي بالسيارات أخذتني معها ولكني أحلم بأن أحصل على فرصة للتأهيل أكثر من قبل الدولة في مجال تصنيع السيارات وتوسيع خبراتي فأنا أتابع كل جديد في عالم السيارات وأطلع على الجوانب الالكترونية والتقنية في هذا المجال.
• من أين تمول مشروعك وإنتاجك من السيارات؟
ــ إلى الآن أمول مشروعي ذاتيا وأعمل على تصنيع مواد أخرى الكترونية ليكون لدي دخل آخر يمكنني الاعتماد عليه في تصنيع السيارات، خاصة وأن هناك إقبالاً وطلباَ كبيراَ على السيارات التي أصنعها.
• قلت إن هناك طلبا كبيرا على إنتاجك، فهل تعني أن سياراتك تنافس السيارات المعروفة والمطروحة في السوق؟
ــ ما يجعل سياراتي مطلوبة ليس لأنها منافسة بل كونها متميزة فمن يأتي طالبا سيارة يقدم مواصفات خاصة بحيث تكون الوحيدة الموجودة وليس لها مثيل فالتميز هو المطلوب.
• كيف تصنع سياراتك وهل تتعامل مع شركات متخصصة خارج الدولة؟
ــ الحقيقة أن الزبون يأتي طالبا سيارة فورويل ويطرح مواصفاتها من حيث نوعية المحرك وقوة السيارة وسرعتها وأن تستخدم للشوارع الخارجية إضافة إلى اللون وطبعا الإكسسوارات الخاصة بالسيارة والتي أطلبها من الخارج حسب الطلب وأصنع الجسم الخارجي كله محليا في ورشتي أما محرك السيارة فأحصل عليه من الشركات الموجودة وأقوم بتركيبه وتجميع كافة أجزاء السيارة بطريقة خاصة بحيث تخدم طلب الزبون.
من الألف للياء
• ألا تحلم بتصنيع سيارة كاملة من الألف إلى الياء؟
ــ ليس لدي مصنع إلى الآن كما أن تصنيع محركات السيارات عملية تتطلب مواد وخامات خاصة غير موجودة أصلا في الدولة وعملية استيرادها كذلك أمر غير سهل ويخضع لقوانين عالمية خاصة ولكني أتمنى أن يكون لدي مصنع وخط إنتاج وأتمكن من تصنيع سيارة متكاملة وتكون إماراتية الصنع وهذا يمكن أن يتحقق في يوم ما فليس هناك صعب أو مستحيل.
• كم سيارة صنعت إلى الآن وما هي مميزاتها؟
ــ بخلاف السيارة الأولى محل التجربة صنعت إلى الآن ثلاث سيارات مختلفة منها سيارتي ال SBC والتي صنعت مثلها بطلب وسيارة ثالثة واسمها «كلاسيك موتو»، كما أعمل على سيارة منذ نحو 3 سنوات وهي مدفوعة الثمن ولكن بعض متطلباتها غير متوفرة إلى الآن ولو أن لدي مصنعا لكان إنتاجها أسهل.
ومن المعتاد أن يتطلب إنتاج السيارة من 5 أشهر إلى أكثر حسب احتياجاتها، إضافة إلى تصنيعي لعشر سيارات سفاري تستخدم في المنتجعات والمتنزهات ولقيت رواجا كبيرا وكلها بيعت لشخصيات معروفة كما نلت على إحداها جائزة الإبداع الفكري في الإمارات.
أفكار أخرى
• هل لك إنتاج الكتروني آخر أم أن السيارات هي التي تحظى باهتمامك؟
ــ إنتاج السيارات هو الأساس ولكن هذا لم يمنعني من تصنيع أفكار أخرى خاصة تلك التي يمكن أن أحقق من خلالها دخلا ماديا إضافيا منها تصنيع«روبوت» لسباق الهجن يوضع على الجمل ليقوم بضربه كبديل لأطفال الركبية.
وقد أنتجت منه نحو 55 قطعة وبيعت الواحدة بخمسة آلاف درهم وكنت أتابع عملها بعد بيعها لمعرفة أي مشكلات تواجه استخدامها وواجهت أيضا مشكلة تقليد الروبوت الذي صنعته مما دفعني للعمل على تطوير روبوت جديد أخف وزنا ويتمتع بسرعة في التحكم وسهولة في الفك والتركيب.
إلى جانب تصنيعي «سكوتر» الكتروني وزنه 5 كيلو جرامات وسرعته 20كم في الساعة سهل النقل والتركيب له استخدامات عديدة وخاصة لمن يعملون في أماكن تتطلب التنقل في مساحات واسعة.
• هل إنتاجك يتمتع بضمان لتصليح الأعطال؟
ــ يهمني كثيرا الضمان لما أنتجه ويكون على أي قطعة في المنتج يمكن أن تحدث فيها مشكلة وليس لما يقوم الشخص بإتلافه لسوء الاستخدام، وأهمية الضمان ليست لجذب المشتري بل لمتابعة ما أصنعه ومعرفة مواطن الخلل أو الضعف وتفاديها في المستقبل.
• إلى أين يمضي المزروعي في طموحه وهل ينقصه الدعم المادي كأي مشروع؟
ــ قبل سنتين كنت أعاني ولكني الآن أفضل والمشروع حقق نجاحا بنسبة 60 في المئة ولا أبحث عن الدعم المادي فأنا قادر على دعم مشروعي.
ولكني بحاجة لما هو أهم وهو الرعاية من الدولة بمعنى أن يتم منحي الثقة وإعطائي الفرصة للإنتاج وأفادت الدولة بتوفير احتياجاتها في العديد من السيارات ذات الاستخدامات المختلفة كسيارات الإسعاف مثلا والتي يتم استيرادها من الخارج بينما بإمكاني إنتاجها كما يريدون، كما أتمنى أن أحصل على التأهيل من الدولة والتدريب والتعرف على عالم السيارات في الخارج لتطوير ذاتي، فطموحي كبير.
الإبداع الفكري
• خطوات تعدها مهمة ودعمت نشاطك التصنيعي؟
ــ شاركت في الكثير من المعارض داخل الدولة ونلت جوائز وشهادات تقدير ومنها جائزة الإبداع الفكري من جمعية رعاية الموهوبين في الإمارات بدبي عن سيارة السفاري الزرقاء.
وجائزة المركز الأول لأفضل اختراع في معرض مبدعين ومبتكرين من الإمارات، والأهم من ذلك سفري مع بعثة وزارة الاقتصاد إلى الصين للاطلاع على معرض «كانتون للصناعات» هناك والذي أفادني كثيرا حيث لمست تشجيعا لما أقوم به في مجال السيارات إضافة لشرائي معدات صناعية جديدة لتصنيع أجزاء السيارات وتطوير ورشتي.
• ألم تتعرض لإصابات خلال عملك في الورشة؟
ــ كوني أعمل بيدي وأعتمد على التجريب العملي فإنني معرض للإصابات وكثيرا ما أصاب بجروح أو ما شابه ولكن أكبر إصابة تعرضت لها كانت خلال تنفيذي للسيارة الأولى حيث أحضرت آلة لحام الكترونية متطورة من الخارج وخلال عملية اللحام لإحدى قطع السيارة أصيبت عيني بسبب الدخان وقوة اللحام وبقيت لأيام غير قادر على الرؤية جيدا رغم استخدامي لقطعة واقية للعين ولكن آلة اللحام كانت قوية جدا مما زاد من تأثيرها.
• هل يتأثر نشاطك في العمل مع حلول شهر رمضان المبارك؟
ــ بالعكس تماما، أعمل بشكل إضافي وأمضي وقتي قبل الإفطار في الورشة لأن العمل ينسي الإنسان الإحساس بالجوع كما أنني خلال تنفيذي للروبوت مر علي شهر رمضان الماضي وكنت أنام ثلاث ساعات فقط وبقيت الوقت كله أعمل في الورشة دون راحة.
• هل لديك زبائن من الجنس اللطيف؟
ــ المرأة عادة تحب التميز وقد جاءني طلبان نسائيان وأهم ما ركزت عليه السيدتان في مواصفات السيارتين هو الشكل الخارجي الملفت واللون المميز وكذلك شكل الأضواء المستخدمة في السيارة بحيث تكون مختلفة وبارزة.
• علاقتك بأسرتك وما هي انطباعاتهم عما تمضيه من وقت مع السيارات؟
ــ ألقى ترحيبا وتشجيعا كبيرين من أسرتي وهم بالفعل أول من شجعني واحتضن أفكاري والانطباع الأول لديهم ولدى أصدقائي كان له أثر كبير في استمراريتي في المشروع، ولكني أتقدم بشكر خاص إلى الشيخ راشد بن حميد النعيمي رئيس دائرة البلدية والتخطيط في عجمان لتشجيعه الكبير لي.
• أين المرأة في حياتك ولماذا لم تتزوج إلى الآن؟
ــ يعلق مازحا «أخاف تكون سيارتي أحلى من سيارتها وتزعل» ثم يتابع المزروعي قائلا، إن مشروعي يشغل كل وقتي، وطموحي فيه كبير ولكن هذا لا يعني رفضي لفكرة الزواج فأنا في السادسة والعشرين من عمري وأهم شروطي في زوجة المستقبل أن تكون مشجعة لمشروعي وطموحي وبالتأكيد سيكون لها وقتها ولن يطغى عملي على حقها.
لبنى أنور - تصوير:مجدي اسكندر



