انتقل بالأدوار والتواشيح من السذاجة إلى عالم النغم من قراءة القرآن خرجت معاطف موسيقية تولدت منها ألوان متعددة من الأداء الغنائي ـ كالتواشيح، والاستغاثاث والإنشاد ـ وما إلى ذلك من ألوان خلقت لنفسها تراثاً من الأنغام والأشعار والمقامات الموسيقية، وأجيالاً من الموهوبين، لعل أولهم وأبرزهم بصمة على صفحة التاريخ الفني هو «الشيخ سلامة حجازي» الذي كان الأنشودة المطربة لمصر في عصره «نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر»، وكان بلبلها الصداح الذي طالما غرد لأمته فأزاح عن قلوبها الترح، وأذهب عن فؤادها الأحزان، وجلب لها معاني المسرة والابتهاج.

ولد سلامة حجازي عام 1852م بحي رأس التين بمدينة الإسكندرية، وظل يترعرع في حجر أمه وحضانة أبيه ولما بلغ الثالثة من العمر أصيب والده بالتهاب رئوي ذهب بحياته تاركاً وراءه ولده وزوجته وأمه العجوز، التي فارقت الحياة إثر صدمتها في والدها، خلف الريس «إبراهيم» لعائلته مالاً كثيراً وعقاراً كبيراً، فكان ذلك مدعاة لأن تتخير زوجته «سلومة» زوجاً يقوم على إدارة أملاكها، فتزوجت من صديقه «محمود الكحلة»، وكان يقوم مقامه وأقرب الناس إليه أيام حياته.

الطريقة الرأسيةوكان «الكحلة» رجلاًً مستهتراً سكيراً شهوانياً، لذلك لم يلبث إلا بضعة أشهر على وفاة صديقه الأول حتى أبطل عادة الضيافة، وأقفل الباب في وجه الزائرين والمريدين لأهل الريس «حجازي»، مما أغضب شيخ الطريقة الرأسية عليه، وكان هذا الأخير شيخاً فاضلاً عالماً ورعاً، يرأس جماعة كبيرة من أصحاب الطرق، ويقضي بين الناس بالحق، وله نفوذ وسلطة دينية كبيرة بين قومه، وبلغ من شغف العائلة به أن أسمت مولودها باسمه وكان يدعى «سلامة الرأس» تيمناً وبركة، كما اختص الشيخ هذا الطفل بحمايته وحبه، فما كان «الكحلة» يقفل باب البيت في وجه زواره حتى نزع الشيخ «سلامة الرأس» الطفل الصغير «سلامة حجازي» من حضانة زوج أمه، وألحقه بالمعلم «أحمد فراج» الحلاق أمام زاويته المعروفة إلى اليوم باسمه بحي الميدان، وكان هذا عام 1932م ليكون قريباً من عطفه، وليتولي تربيته تحت سمعه وبصره.

في ذلك الحي الهادي المشمول بالبركة الصوفية كان يلجأ «سلامة» إلى زاوية الشيخ قصد التفرج والنظر، ولما كانت الأدعية تتماوج بشدة كان يأتي الشيخ برهط كبير من منشدي عصره يتناوبون الإنشاد، لتخفيف تلك التأججات النفسية والتوترات العصبية، وليوصلون على نبرات أصواتهم العبادة خالصة للملكوت العلوي، وأعجب الطفل منظر الذكر وأخذته حلفته المتماسكة بأعضاء الرجال، وأشجاه صوت «السلامية»، فعكف في روحاته على تقليد صوتها منفرداً حتى ذهب به الشغف واشترى مثلها ليقلد صوت العناني بـ«نايه» وكان هذا مشهوراً بالتوقيع عليه.

ويذكر المرحوم «الشيخ محمد السيسي» رفيق صباه وزوج أخته «شفيقة»، فيما بعد في مذكراته أن «سلامة» أتاه دامع العين ليلة، وطلب منه أن يشتري له «سلامة» ليوقع عليها، فاشترى له واحدة بلغ ثمنها قرش صاغ أخذها منه وصار يوقع عليها في فراغ وقته وليله.

عبث الطفولة

واظب «سلامة» على الحضور إلى الزاوية، وكان يأخذ مكانه بجانب «العناني» نافخ الناي متزناً رزيناً ولا يبدو عليه ما يبدو على الصبيان من طائش الحركات وعبث الطفولة، فلفت بهذا الخلق أنظار علية القوم، فقربوه منهم وأدنوه من فرقة المنشدين ليسند «العناني» بنايه إلا أنه أخفق في تجربة الناي وفي محاولة الاستمرار عليه، لأن نفسه لم تكن قد قويت بعد فلم يستطع مداومة النفخ.

ولم يكد يمر عليه أسبوع حتى أصيب صدره فامتنع، بيد أنه حاول إظهار وثبات نفسه في شيء أبسط وأمتع، وهو أن يسند المنشد في الآهات الطويلة، وكان المنشد وقتئذ الشيخ «كامل الحريري» الذي أنس فيه صوتاً رقيقاً وغنة حلوة يصلح معها أن يكون ضمن البطانة، فضمه إليه محتفياً به من الزمرة.

وقد كان ما قدره الله له حيث حمل، وهو في العاشرة من عمره مهمة قوية يؤديها لشعبه وهو لا يعلم، فعكف على عمله الجديد، وتجلت على الناس مواهبه الغنائية شيئاً فشيئاً، فأعلوا درجته إلى أن وصل بعد مدة وجيزة إلى درجة منشد ابتدائي، إذ يفتح الحفلة بما يتيسر من القرآن الكريم والذي قد حفظه أجمع قبل أن يتجاوز الحادية عشرة، كان انتشر صيته في الحي وشهد بحسن الصوت وترتيل القرآن حتى تهافت على طلبة كبار الأسر من أهل حيه، ورتب على حد تعبير العامة في منازلهم لتلاوة القرآن، كراتب يومي مقابل أجر ارتفع عن بقية إخوته المقرئين، فاضطر آسفاً إلى ترك معلمه «أحمد فراج» ليتفرغ إلى عمله الجديد.

لينفق على عائلته التي أنهكها الفقر، خاصة بعد موت زوج أمه «الكحلة»، وفي هذه الأثناء أصيب الشيخ «الرأس» في عينيه فكف بصره، واحتاج إلى من يقوده ومن هناك أجدر من «سلامة» والده المتنبي بهذه الوظيفة ومن هناك محبب إلى قلب الشيخ الكبير من هذا الغلام الوديع الذي هذبه اليتم، وثقفت نفسه محن الحوادث وقسوة الأيام؟

الولد البكر

وفي هذا الحين، ابتدأ يفكر في تأليف جوقة متنقلة تطوف في البلاد المجاورة قصد الطرب والإنشاد، وتمكن في مدة طوافه البسيطة أن يجمع مبلغاً ضخماً من المال كان له بمثابة رأسمال يدير به جوقة منظمة مرتبة كاملة بيد أن القدر فاجأه بموت ولده البكر «محمد» فحزن عليه حزناً لم يستفق منه إلا عندما أبلغ بوفاة والدته «سلومة»، وهنا تشاءم الشيخ من رشيد وعمل على السفر منها فعاقه أبناء عمومته عن السفر.

وأبوا أن يتركوه حتى الأربعين بعد وفاة والدته فأمر الشيخ أخاه لأمه «محمود الكحلة»، وقد كان مشهوراً بـ«حجازي» أن يسرح أفراد تخته ويكافئهم بمرتب نصف شهر فادعى هذا السفر إلى الأرياف قصد التحصيل وطلب مهلة أيام قليلة أجابه الشيخ إليها، وكان محمود يعاون أخاه في أموره ويدير له أمر جوقته.

كما اختصه الشيخ بالإدارة المالية التي عاش طوال عمره لا يعرف عنها شيئاً، بيد أن محموداً هذا كان سكيراً، وكان مدمناً عربيداً كما كان والده، فما شكي منه أخوه يوماً وما قابله إلا بالابتسام، وما أنبه إلا بالحسنى.

أقام «سلامة حجازي» عام 1883م بمنزل بجوار زاوية الرأس في حي الميدان وذلك المنزل الذي لا يزال يحمل اسمه في حارة بزأمة وسعى لتأليف رجال قادرين في فن الآلات، إذ إنه اعتزم الظهور باحتراف المهنة، وترك ليالي الزاوية والذكر، وانضم إليه في نهضته هذه بعض الأدباء والزجالين وألقوا له قطعاً غزلية طريفة لحنها بصوته.

وأصبحت فيما بعد آية في الخلود والذيوع واجتهد في تنسيق القديم من القصائد وحزبها من جديد وصوغها في قالب بديع من الإنشاد وهم دفعة واحدة لافتتاح التخت بمطلع القصيدة مباشرة من غير إطالة في «الليالي» القديمة والآهات البالية. جاءت تلك الحركة التجديدية طابعاً حديثاً في فن الغناء، اختص به الشيخ وحده كانت لها قيمتها وأثرها عند المغنين في ذلك الحين.

حيث كان الشائع في الأناشيد والقطع المستعملة للغناء إبان ذلك العصر بأن يكون قالبها المفرغة فيه قالب العامية الركيكة وتجدها بجانب كل هذا خالية من السمو الشعري والمعنى السامي وقد كانت هذه القطع التي لابد من أن يستعملها المغني لإطراب سامعيه في هذه العصور، غير أن مطربنا عندما هم في ميدان التجديد، أشار على أخواته الأدباء أن ينتظموا له قطعاً غزلية رسم أساليبها ونماذجها وأشعاراً وضعية حديثة ومقاطع غرامية وصفية، تتفق والحالة التي تلائم سنة الانتقال، واتخذ لنفسه موقفاً بإزاء القصائد المتداولة المعروفة، والتي كانت تحسب أن لابد منها للفن، بأن نقح حزبها وأسبغ على معناها روحاً فياضاً بالنغم السامي والضرب الأخاذ.

روح السمو

بذلك أخذت طابعاً غير طابعها الأول استطابه الناس واستلذوا سماعها حتى إنه حينما ينشد القصيدة المشهورة «سلوا حمرة الحذين عن مهجة الصب» على طريقته الحديثة وابتكاره الذي نوهنا إليه، بدت للسامع متلألئة اللفظ حلوة المعنى عذبة المنهل صافية الأديم، فأسبغ على كلام الابتهالات والأناشيد روح السمو والعظمة.

وأضفي عليها نغماً جليلاً وضوءاً شعرياً ويتجليان لك على الحرف الواحد منها، وكذلك قل في باقي القصائد المتعارفة في فن النغم القديم مثل القطع الخالدة في تلحينه الإنشادي. لقد جدد الشيخ سلامة حجازي في الغناء وانتقل بالأدوار والتواشيح الصغيرة من عالم السذاجة والوزن العقيم إلى عالم النغم ذات الأصول المحكمة.

وابتدأ يلحن أدواراً جديدة تعد من الطراز الأول في السمو الفني ومن الإعجاز التام في عالم النغم، فكان يناله أفراد جوقته ليصل بذلك إلى تمكين مبادئ التحديد وإطراب السامعين، فكان يجد ليرضي الفن، لأن الفن تملك عليه مشاعره وسخره لنفسه، ولم يكن له في نفسه أو في رجاله ماله عليه من سيطرة وسبيل، وفعلاً بدأ «بمذاهب عشر» ملحنة تلحيناً دقيقاً من بواعث وجدانه، حيث أودعها كل ما في ذات نفسه من مشاعر وثابة لتعلية شأن الفن وأمر الغناء.