هو شهر الله، والله هو الحق، وهو شهر القرآن، والقرآن الحق من ربنا، قال تعالى: «وكذب به قومك وهو الحق، قل لست عليكم بوكيل» سورة الأنعام الآية 66، وقد وردت لفظة الحق في آيات الذكر الحكيم في كثير من المواضع، وبالحق قامت السموات والأرض، ومما جاء في معاني الحق لغة في المعاجم أن الحق مصدر، ومن أسماء الله تعالى أو من صفاته والحق ضد الباطل «وقل جاء الحق وزهق الباطل...» الإسراء ــ الآية 81 ومن معاني الحق: الأمر المقضي والعدل والمال والملك.
ومن هذا المنطلق، فإننا عندما نقول: «رمضان شهر الحق» فإنما نعني أن صومه إيماناً واحتساباً يثبت، أو ينبغي ــ لما ينطوي عليه من تربية خلقية واجتماعية ــ في نفس الصائم هذه المعاني كلها مجتمعة فيقيه شر نفسه وشطحاتها وغرورها، ألم يقل لنا معلمنا الأول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : «إنما الصوم جُنة (وقاية) فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق» وهذا الرفث وهذا الفسوق الذي عناه نبينا الكريم يجر إلى الكثير من التجاوزات التي تبعد أو تنأى بالصائم عن أن يكون صومه تثبيتاً للإيمان بالحق والتخلق به.يقول الدكتور مصطفى السباع عليه رحمة الله : «وللحق في الإسلام منزلة كبرى، فهو ما يقوله الله ويصدر عنه. قال تعالى: «قوله الحق وله الملك» سورة الأنعام الآية 6. وبذلك كانت رسالات الأنبياء دعوة إلى الحق وإقراره بين الناس.
قال الله جل شأنه: «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه» سورة البقرة الآية 213. وجاءت رسالة الإسلام وهي خاتمة الشرائع دعوة إلى هذا الحق وتثبيتاً لدعائمه. قال تعالى: «يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم» سورة النساء الآية 169.
والأمر كذلك، كان على المسلم الذي يصوم شهر رمضان امتثالا لأمر فرضه الله عليه، أن يضع هذا المعنى نصب عينيه وفي قلبه ووجدانه فلا يبتعد أبداً عن عبوديته وسلطان الله عليه وما يحدث في واقعنا المرير من تجبر وتكبر وظلم وانتهاك للحرمات وفساد في الأرض وقطع للأرحام وما إلى ذلك إلا بسبب نسيان العبودية الحقة لله رب العالمين.
وإلا لما حدث في أوساطنا الإسلامية شيء من هذا ، بل إن ظلم الآخرين ــ أعني من غير المسلمين ـ واضطهادهم لنا واستهانتهم بأمرنا إلا بسبب نسياننا للعبودية، والعبودية الصحيحة هي الحق.دعونا ننظر يا إخوتي الأحباب بعين التبصر والتفكر فيما يجري في مجتمعاتنا واستحلفكم بالله أن تقولوا الحق ولا شيء غير الحق، هل يمت لتعاليم ومفاهيم الإسلام بصلة؟
ممارسات بعيدة كل البعد عن إسلامنا الجميل.. عن إسلامنا القويم.. عن إسلام السمو والرفعة والخلق العظيم، اختلاف شاسع بين المسجد والشارع، تناقض وما بعده تناقض بين الأفعال والأقوال، الغش صار سمة من سمات العصر، والخداع سلعة بيعها وشراؤها مشاع، أما الظلم فإن الظالم منه لا يراع واعذروني من هذا السجع غير المقصود ربما هو من وحي اللحظة التي أعيشها وتعيشونها أنتم أيضاً معي بلا شك.
فيا أيها الصائمون والصائمات أين نحن من هذا الحق الذي نتحدث عنه ونصف رمضان بأنه شهره؟ من منا في أيام الناس هذه على صلة بأمته، ولا أقصد صلة «المشاهدة» على التلفاز ثم مصمصة الشفاه والتأوه في حسرة على ما يشاهد من آلام الآخرين، يعقب ذلك لعب ولهو ونسيان تام لما شاهدنا.
تصوروا معي منظر امرأة مسنة في أرض الرافدين في العراق تبحث في القمامة عن طعام يكون فيها لتسد به جوعتها ويحدث هذا أين؟ في أرض العراق بلاد البترول والمن والسلوى وكل ما يمكن أن يتصوره الإنسان من خيرات.
ويأتي عليهم الصيف فيعودون إلى مراوح السقف اليدوية يطردون بها الحر لا حباً في العودة إلى التراث ولكن لعدم الكهرباء التي تدير أدوات التبريد الحديثة، يحدث هذا لأننا أمة أفرادها ومجتمعاتها «نسوا الله فأنساهم أنفسهم» لم نعد ممن يعرفون ترتيب الأولويات كما كان سلفنا الصالح ولذلك لا نصلح إلا بما صلح به أولنا.
يروى عن الإمام عبدالله بن المبارك أنه خرج مرة إلى الحج في قافلة (تطوعاً) فنفق طائر معهم فأمر بإلقائه في القمامة في طريقهم وسار أصحابه وقد تأخر عنهم فشاهد فتاة تخرج من دار قريبة فتلقط ذلك الطائر وتدسه في كيس وتنطلق به إلى دارها، تعجب من أمرها فسعى إليها وسألها لماذا فعلت ذلك؟ فقالت أنا وأخي هنا ليس لنا شيء نطعمه فنعيش على ما نلتقطه من القمامة وكان أبونا له مال فظلم وأخذ منه وقتل.
فما كان من ابن المبارك رحمه الله إلا أن أمر وكيله برد الأحمال وسأله: كم معكم من النفقة قال: ألف دينار، فقال لوكيله: عد منها عشرين ديناراً تكفينا إلى مرو واعط هذه الفتاة الباقي، فهذا أفضل من حجنا هذا العام، ثم رجع.
هذا هو التفاعل الإيجابي في مواجهة مثل هذه الظروف، يعطي ابن المبارك للفتاة ذات الحاجة 980 ديناراً من ألف معه ويبقي لنفسه عشرين فقط ويقدم حاجتها على حجه، فأين نحن من هذا؟!
محمد الطيب عربي

