اذا كانت الرؤى تتعدد بالنسبة لنشأة الاستشراق فإن الرؤية التي نعرض لها تعد الى حد كبير مختلفة وتفسر بشكل جزئي كيف نشأ الاستشراق. وهنا يقرر البعض أن الاستشراق إنما نشأ كرد فعل على التقدم الذي عاشته الحضارة الإسلامية في العصور الأولى وفي محاولة للاستفادة منها.
فبعد أن خرج العرب من جزيرتهم وأسسوا إمبراطوريتهم الواسعة وكونوا تلك الدولة الموحدة المترامية الأطراف الممتدة من أسبانيا والمحيط الأطلسي غربا الى حدود الصين شرقا أسسوا بجانب ذلك حضارة عالمية ذات أهمية بالغة في التاريخ البشري الذي نقلت اليه تراث الحضارات القديمة بعد أن استوعبتها وصقلتها وأدخلت عليها أوجه التبديل والتغيير المطلوبة.
واذا كانت الثقافة العربية الإسلامية قد تكونت بشكل أساسي من المصادر الأصلية كالقرآن وما يحتويه من تعاليم سامية تنظم الشؤون الدينية والدنيوية للمسلمين ومن الشعر والنثر اللذين كان يمتاز بهما العرب خاصة الفصاحة والبلاغة إلا أنها تطورت لتشمل ثقافة إنسانية أشمل وأعم وهي الحكمة الفارسية والهندية والإغريقية التي وصلت الى المسلمين عن طريق حركة الترجمة التي شجعها سخاء الخلفاء العباسيين.
وعن طريق امتزاج هذه الحضارات وصقلها وتهذيبها تكونت الحضارة الإسلامية التي تمتاز بخصائص فرضتها لغتها ودينها ومعتقداتها ولكنها دفعت بالحضارة الإنسانية خطوات حثيثة الى الأمام. وقد لعبت الشام والقسطنطينية دورا بارزا في انتقال الثقافة الإسلامية الى أوروبا وهو ما أدى بدوره الى ما يمكن اعتباره البذور الأولى لملامح الظاهرة الاستشراقية فيما بعد الحروب الصليبية.
على صعيد آخر فقد أعجب الأسبان بثقافة العرب وحضارتهم وأرسلت الدول الأوروبية الأخرى الرهبان والقساوسة لطلب العلم والمعرفة من الجامعات العربية المنتشرة في ربوع أسبانيا وخاصة جامعة قرطبة التي كانت قبلة طلاب العلم يفدون اليها من جميع الأصقاع وساعد على قيام هذه النهضة العلمية بالأندلس سياسة التسامح التي اتبعها المسلمون تجاه أهل الذمة من نصارى ويهود فتعلم الأسبان والطلبة الوافدون من أوروبا اللغة العربية وهي اللغة العالمية المستخدمة في العلوم والآداب في ذلك الزمان.
وعلى ذلك انعكس اتصال الغرب بالحضارة العربية الإسلامية اتصالا فعليا ومؤثرا في ظهور طلائع المستشرقين ومعظمهم من الرهبان ومن أوائلهم في تلك الحقبة التاريخية راهب فرنسي يدعى جيبير مولود عام 938 قصد الأندلس وأخذ عن علمائها وتلقى العلوم الإسلامية بعد أن أتقن اللغة العربية وكان من أنبه خريجي جامعة قرطبة من الوافدين.
وهرع العلماء من الغرب الى دراسة الحضارة الإسلامية على هذه الخلفية وساعدت حركة الترجمة التي قام بها اليهود الى نقل العديد من الكتب العربية القيمة الى اللغة اللاتينية وعلى أساس هذه الكنوز العلمية الزاخرة بنى الأوروبيون حضارتهم الحديثة وبعد حركة الترجمة كون الأوروبيين نخبة من العلماء والمتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية هم من يعتبرون «طلائع المستشرقين».
