أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض..
وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسموات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
الغسالة الكهربائية من قديم الزمان والإنسان يسعى إلى أن يعلو بنفسه وبدنه وأساليب حياته عن حياة السوائم التي كتب عليه أن يتعايش معها.. يستوي في ذلك أهل البوادي أو ساكنو وديان الأنهار أو حتى سكان التلال والجبال.. وربما كانت النظافة وإزالة الأدران هي الأسلوب الأمثل الذي أدخله الناس في حياتهم مستخدمين في هذا الماء وهو أثمن مورد أنعمت به السماء.. وجادت به الطبيعة على البشر.. هكذا لعب الماء دوره المحوري في تاريخ الحضارات والثقافات..
وشاءت العناية الإلهية أن يضفي على هذا الدور قدراً لا يستهان به من النبالة بل والقداسة مع اختلاف العقائد والأديان.. ما بين طفل مبارك يتهادى مهده على صفحة الماء، وما بين معجزة المشي على الماء آية على قدرة الله في خلقه.. وما بين الديانة الخاتمة التي يتعامل أبناؤها مع الماء عند كل وضوء تمهيدا للوقوف خمس مرات بين يدي الرحمن.. الماء أيضا تفجر ينبوعا تحت أقدام إسماعيل الطفل في واد غير زرع عند بيت الله الحرام.. معجزة باقية مع تدفق المعين من زمزم إلى آخر الزمان.
شعوب أخرى وأقوام بخلاف أهل الرسالات تعيش في بقاع شتى من كوكب الأرض وكلها تتعامل مع الماء من موقف أقرب إلى التكريس بل التقديس.. ومن خرافات تلك الشعوب وأوهامها.. إلى أحدث ما ينشده علم الفضاء الحديث حين يرسل سفن الاستكشاف إلى كواكب وعوالم خارج جاذبية الأرض تسبح في أفلاك ومجرات وقد حملت سفن الفضاء سؤالا تكاد تطرحه على زحل أو المريخ يقول: من فضلكم هل عرفتم موردا هو أصل كل شيء حيّ في كوكبنا اسمه الماء؟
لا يذكر التاريخ ذلك الإنسان – بالأدق الإنسانة الذكية التي عاشت في عصور سحيقة من حياة البشر.. ثم هدتها فطرتها إلى أن تستخدم مياه النهر أو النبع أو حتى البحر أو البحيرة.. لكي تزيل عن ثوبها البدائي ما علق به من طين أو غبار.. لكن المؤكد أن هذا الإنسان الأول.. ذكرا كان أم أنثى.. استخدم أسلوب الحكّ بالأصابع وعندما تطورت أساليبه.. استخدم غصن شجرة أو عود من البوص ليضرب به الثوب الغليظ فإذا بالمياه تنزف من مسافة حاملة كل البقع العالقة..
فما بالك والشمس الحارقة تتولى أمر التجفيف وعندما يعود بالإنسان البسيط إلى الثوب فإذا به وقد استرد رونقه أو كاد.. بل تفوح منه رائحة منعشة بعد أن يتم الجفاف يد الإنسان.. إذن كانت أول أداة لغسيل الثياب – أضاف إليها المصريون الأقدمون ومن بعدهم الرومان فكرة استخدام قطع الحجر الصوان لإزالة الأدران.
ومنذ أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين بدأ الناس يستخدمون غسالات يدوية تتألف من حوض كبير يضم بدالات تدار بأصابع اليدين لزوم تحريك الثوب وتصبّ عليها المياه بعد أن يتم تسخينها على مواقد الأفران. آلات ساذجة نعم لكن كانت تغني عن استخدام الأيادي البشرية في حركة مرهقة على أقل تقدير.. ومع الربع الأول من القرن الماضي أدخلوا تطورا جديدا بتركيب اسطوانة بطيئة الحركة وتدار باستخدام البنزين إلى أن بدأ تشغيل هذه الآلات بالكهرباء بعد عام 1930 في انجلترا والولايات المتحدة.
ولأن الغسالات الأولى كانت مصنوعة من الخشب فقد ظل تشغيلها مرهقا، إذ كان الأمر يتطلب التخلص باستمرار من مياه الغسيل وتزويد الماكينة بمياه ساخنة جديدة بعد إضافة الصابون.. وكم استراح الناس مع أواخر الثلاثينات عندما توصلوا إلى صنع الغسالات من المعدن مما أتاح وقتها إشعال نار من مدفأة أو موقد كيروسين تحتها لإبقاء المياه ساخنة باستمرار.
وكان الأمر بانتظار اختراع الموتور الكهربائي لكي يتاح التخلص من المياه العادمة خلال عملية دوران فائقة السرعة وعندما أذن القرن العشرين إلى انتصاف بدأت الشركات في طرح ماركاتها وأجهزتها التي أصبحت أو تكاد تصبح جزءا لا يتجزأ من حياة الناس. والحق أن فكرة تصنيع جهاز آلي.. مهما كان ساذجا أو بدائيا لإنجاز عملية الغسيل سبق إليها الإنجليز منذ عام 1691 على وجه التحديد.
وفي عام 1752 نشرت مجلة «جنتلمان» البريطانية موضوعا عن آلة لغسل الثياب استوحاه بعد ذلك المخترع الإنجليزي هنري سيدجر الذي أعلن اختراع غسالة ذات قرص دوار في عام 1782 وكان طبيعيا أن تنتقل أخبار الاختراع إلى أميركا حيث عكف القوم على تطويره إلى أن استخدموا الكهرباء لإدارة أول غسالة كهربائية في عام 1906.
ونظرا لارتفاع السعر فقد تفتق ذهن مواطن أميركي اسمه اندرو كلاين إلى تشغيل عدة غسالات كهربائية كبيرة الحجم وضعها في محل استأجره في إحدى مدن تكساس ودعا الزبائن إلى غسل ثيابهم في المحل لقاء أجر معقول ومعلوم. كان ذلك في عام 1934 وكانت تلك أول غسالة عمومية أو تجارية أو أول محل للتنظيف. ولم يطل الأمر إلا وقد تم التوصل إلى الغسالة الأوتوماتيكية في عام 1937.
وتتراوح بداهة أحجام هذه الأجهزة بكل أهميتها الجوهرية للحياة الحديثة: ما بين غسالة المنزل التي تستخدمها ربة البيت أو معاونوها إلى الغسالات العمومية التي عمدت بعض المدن في أميركا أو كندا إلى تركيبها في ساحات الميادين ومحطات المواصلات الرئيسية حيث يستخدمها عموم الجمهور لقاء مبالغ زهيدة تدفع بالعملات المعدنية التي يتعرف عليها جهاز الماكينة وعلى أساسها يبدأ التشغيل..
وصولا إلى الغسالات الكهربائية العملاقة التي تستخدم في العمليات الصناعية المتخصصة من قبيل صناعات الغزل والنسج التي تتطلب عمليات التبييض أو الصباغة. صحيح أنها تستخدم أساليب الحاسوب الإلكتروني على أحدث ما يكون.. لكن الصحيح أيضا أنها لا تستغني ولو لحظة واحدة عن تيار الماء.. الذي عمدت إلى تثمينه واستخدامه أجيال سبقت إلى الحياة على سطح كوكبنا منذ مئات الآلاف من السنين.
تفلون
رغم بساطة الأشياء إلا أن العقل البشري ما زال يحاول جاهدا أن يضفي على الحياة لمسة من تيسير أو ظلا من بهجة تخفف عن البشر وعثاء ما يكابدون. صحيح أن من الناس من يجلس على مائدة الطعام ويمد يده إلى أطايب النعمة دون أن يفكر ولو لحظة في أمر من قام بالتجهيز أو من عانى مشقة الإعداد والتحضير..
ولقد أتى على هذا الصنف من البشر حين من الدهر حيث كانوا يواجهون مشكلة القدور والطناجر والأوعية النحاسية التي يتم فيها طبخ الأصناف فإذا بالبقايا وقد التصقت بقاع الوعاء وإذا بقدر من الغذاء وقد تصاعدت منه رائحة الدخان وآثار الاحتراق، وإذا بالوعاء نفسه بحاجة إلى مزيد من الجهد من أجل إزالة ما علق وما لصق من بقايا الطعام.
مشاكل يراها البعض بسيطة وربما تافهة لكنها في التحليل الأخير مشاكل حقيقية كم واجهت أفرادا أمضوا ساعات بين جدران المطبخ.. يستوي في ذلك الطهاة المحترفون أو مدبّرة المنزل أو ربات البيوت. وبديهي أن المشكلة قد وجدت حلا في نهاية المطاف وأن الأسواق شرعت في استقبال نوع من الأوعية وقدور الطهي لا تلصق فيها بقايا الأطعمة..
وكان في ذلك مفاجأة كم سعدت لها بالذات العرائس حديثات الزواج لدرجة أن ترددت شائعات بأن هذا النوع من الأوعية المصنوعة توصل إليها العلماء بالمصادفة السعيدة خلال تجارب أجروها في مختبرات برامج وأبحاث الفضاء! ولم يكن ذلك صحيحا بحال من الأحوال.
والصحيح أن كيميائيا متخصصا اسمه روي بلانكيت كان يعمل في مختبرات شركة دي بونت الأميركية من أجل استخلاص غاز لا يحوي مواد سمية من أجل استخدامه في تركيب وتشغيل المبردات – الثلاجات.. وخلال العديد من التجارب ظهرت أمام صاحبنا مادة زيتية مستجدة بيضاء اللون.. بادر الكيميائي إلى فحصها فإذا بها لا تقبل التفاعل مع غيرها من المواد ولا تتأثر لا بالحرارة ولا بتيار الكهرباء ولا الأحماض..
تلك هي المادة البلاستيكية التي أطلقوا عليها اسم التفلون التي اكتشفها السيد بلانكت في عام 1939. لكن السلطات أبقتها سرا (ربما بسبب ظروف الحرب العالمية) إلى أن أذاعت سرها في عام 1946 حيث استخدمها مهندسو مشروع مانهاتن الأميركي في برنامج القنبلة الذرية لحماية الدعامات المستخدمة من خطر التفاعل مع مادة اليورانيوم.
وكان لا بد أن تمضي سنوات من أجل تطوير استخدام التفلون اقتصاديا وتجاريا تمهيدا لطرحه في السوق على شكل قدور وأدوات لا تلتصق بها مواد الطهي والقلي والتحمير. ولم يكن ذلك متاحا في أمريكا إلا بعد سنة 1960 على أن استخدام التفلون لا يقتصر على أدوات المطبخ بل يمتد ليدخل في صناعات الملبوسات والالكترونيات بل وبعض العقاقير الدوائية. وطلب تسجيل الاختراع مقدم إلى مكتب البراءات أميركا بتاريخ أول يوليو عام 1939..
ورغم أن الطلب ما زال تاريخيا مسجلا باسم روي ج. بلانكت الذي شاءت الصدف، كما ألمحنا، أن يكون أول من يعايش هذه المادة إذ كان يتعامل مع غاز الفريون المستخدم كما هو معروف في صناعة التبريد والتثليج – إلا أن الرجل لم يربح ماليا من حق هذا الاختراع المفيد..
وربما يرجع ذلك إلى تأجيل تصنيع المادة المكتشفة – التي ما لبثوا أن سجلوها باسم التفلون كعلامة تجارية في أميركا عام 1946 وبعدها في انجلترا عام 1954. أما السيد روي بلانكت الذي لم يستفد شيئا فربما كان يكفيه من هذا كله تسجيل الاسم وحسن الأحدوثة ودعاء الملايين من شيفات الطهي وربات البيوت.
محمد الخولي

