في شعر (من بحر الرّجز) لشاعر قديم بيتان وصف فيهما حاله وحال أولاده فقد قال:إنَّ بنيّ صِبْيَةٌ صَيْفيّونْ
أفلحَ مَنْ كان له ربْعيّونْ
والمراد أن الرجل تزوج متأخراً فجاء أولاده وهو في سنّ متقدّمة فقال إنّهم صيفيّون تشبيهاً لهم بأولاد الضأن وغيرها حين تتأخر ولادتها إلى الصيف، وأثنى على الذين يبكرون في الزواج فيرزقون بأولادهم في مقتبل الشباب. .
* قلب الأب من هذا الملمح هناك قصيدة للشاعر علي الشرقي في ولدين (صبي وبنت) ولدا له بعد عمر. وقد قال في المقدمة: «بعد صبر طويل رزق الشاعر بنتاً وولداً تفاوتت سنّهما بما يقرب العامين، وكانا في يوم من الأيام يدبّان ويعبثان، فأوحى إليه منظرهما هذه القصيدة في عام 1945».وقسم الشاعر القصيدة ثلاثة أقسام: كل جزء منها يؤدي إلى الآخر، في انتقال بين:
1) عاطفة الأب الجيّاشة نحو لديه، سَرد فيها هواجس نفسِه نحوهما محبةً وحرصاً وعنايةً.
2) وعودة الشاعر إلى ذكرياته، ودوره في الحياة، في نوع من النقد الذّاتي الواضح.
3) وخطاب إلى الآباء والأمهات يدعوهم فيه إلى حسن تربية الأولاد وإعدادهم لمستقبل واعد، ويدعوهم إلى عدم الاكتفاء بمجرد إظهار المحبة لهم..
وهكذا، قال في أول مقاطع القصيدة
إنَّ قلبي أُرْجُوحةٌ نُصِبَتْ
بين مَفْطُومَةٍ ومُنفطمِ
هزّة إثر هزةٍ وأنا
لهما ضاحِكٌ بملءِ فمي
لست أدري من الحوار سوى
بَغْمَةٍ من شفاهِ مُبتسمِ
فأطفالهم صغار لا يفصحون، وإنما يصدرون أصواتاً وما يشبه الكلام «شبّه كلامهم الأولي بأصوات صغار المها والغزلان»، وقال:
مُلح أَلفاظهِ ومنطقه
فترةُ للدّلالِ في الَكَلِمِ
حُلمي في دبيبهِ وأرى
عَدْوَهُ مثلً رقْصَةِ الحلمِ
مَرّ بي خاطفاً ومن عجبٍ
مرّ بي خاطفاً فردّ فمي
يتبارى وأُختُه وأنا
ذُبتُ خوفاً من زلّة القدمِ
ولمّا كان له ولدان اثنان فقد شبههما بجناحي الطائر وهو يضمهما إليه كلما أصابهما شيء من الملل والسّأم، وقال:
كجناحَيْ طيرٍ أَضُمّهما
كلما رَفْرَفا من السَّأمِ
فاترات الجفون تعرض لي
فتصبّ الفتور في قدمي
حامل الورد قل لبلبله
نمت عن ليلتي ولم أَنم
خير شدوٍ غنّته مرضعةٌ
هدهدت طفلها عن الحُلمِ
نحن من سادة تظنّهمُ
حول أطفالهم من الخَدم!
فهذه لقطة بارعة، حين صوّر حسن رعايته لأولاده، فإن مَنْ يراه في تصرّفه معهم وحسن العناية بهم يظنه من خدم هؤلاء الأطفال! وخاطب الناشئة في زمانه (وأولاده فيهم بطبيعة الحال) في نقد ذاتي لنفسه ولجيله:
إيه نَشْء العراق قبلكمُ
قد سمعنا بالماسِ في الفحمِ
فهو يرجو ـــ بحسب الدلائل والقرائن ـــــ أن يكون الجيل الجديد الذي منه أبناؤه مُبدعاً بارزاً ولا يُستغرب ظهور المبدعين من غير المبدعين كالماس يكون ماساً وإن كان مع الفحم أو كان منه!
وأخيراً يخاطبُ إلى الآباء والأمهات (قال أيها الوالدون) ويطلب إليهم ألاّ يكتفوا بدلال أولادهم، وأن يربّوهم على الهِمّة العالية، والسعي في سبل المعالي، فإن الجيل الجديد مرجوّ لرفعه القلم، وعظيم الشيم (الخصال والمزايا):
أيّها الوالدونَ! حَسْبُكُم
وكفاكم تحرّقُ الأَرمِ
وحي أطفالنا يعاتبكم
لا تجرّوا العتاب للنّدم
اذكروا عند شمكم لهمُ
أنّهم ينشؤون للشّمَمِ
إنّ مَنْ للصدور نرفعهم
نرتجيهم لرفعةِ العَلمِ
شيم الوالدين تخبرنا
أنّهم ينشؤون للشّيم
كل كفٍّ لرفعهم بُسِطَتْ
رَفعتْ أُمّةً من الأمم
وهكذا انتقل الشاعر من الكلام على أطفاله ومحبتهم، إلى نوع آخر من العناية بهم، وبالجيل الجديد كلّه: يخاطب الناس فهو يخاطب نفسه داعياً إلى عدم الاستغراق في دلال الأطفال وإظهار محبّتهم، وتلبية رغباتهم، ويدعو إلى تنشئتهم تنشئة عالية ليكونوا في المستقبل من الرجال المفكرين المبدعين، ومن الأقوياء، المخلصين، الذين يرفعون صيت الأمّة، ويسطرون صفحات مشرقة في تاريخها.
أ.د محمد رضوان الداية

