مما يرويه شاعر الشعب المصري، وأمير شعراء العامية المصرية، «محمود بيرم التونسي»، أن جدوده الأقدمين عرفوا الترحال «بلا حدود» من تركيا والأندلس إلى تونس، وكان آخرهم جده القريب الذي ارتحل من تونس إلى مصر، واستقر بالاسكندرية، نجاة بنفسه من ظلم عائلته وطمعها.

مع ذلك، فإن هاجس الترحال لم يخطر بباله ولا طاف بخياله أن يبتعد عن مصر التي سرى حبها في دمه، وعن الشعب المصري الذي استضافه وأورثه أسرار روحه وشخصيته وجماع فضائله. وبالجملة، لم يفكر محمود بيرم التونسي، ولم يشأ، ولم يدر بخياله أن يكون طائراً أو أديبا «بلا حدود» لكن القدر شاء له أمراً آخر، بل جعل منه نموذجاً صارخاً فريدا للأديب «بلا حدود».في 4 مارس 1893، ولد «بيرم» في حي «السيالة» الشعبي «بالأنفوشي» بالاسكندرية، حيث دخل الكتاب وتعلم شيئا من علوم اللغة والدين، وحفظ أجزاء من القرآن الكريم. لكن وفاة والده، وهو صبي صغير، أجبرته على ترك الدراسة، وخوض غمار العمل والتجارة ليعول أسرته. وراح ــ في الوقت نفسه ــ ينهل من كتب التراث الأدبي الزاخرة.

كان العصر الذي تفتح وعيه عليه يموج بشتى صنوف القهر والمظالم، تئن تحت نيرها جماهير الشعب المغلوبة على أمرها من عمال وفلاحين وباعة فقراء، إضافة إلى مذلة واستبداد قوات الاحتلال البريطاني وتحكمها بمقدرات الوطن.

وهكذا وجد «بيرم» نفسه في صف ناسه وأهله المعذبين في أرضهم، فيم يغمض عينيه، أو يدر ظهره لواقعه، وإنما انبرى ــ بكل ما توافر له من علم ووعي، وبكل ما أحس بتفجره في أعماقه من مواهب ــ يناضل بالكلمة، ناقدا، ومنددا، وساخرا سخريته المرة اللاذعة من كل رموز الظلم والاستغلال.

كان أول سهامه قصيدته الساخرة عن استغلال المجلس البلدي للفقراء، فتلقفها الناس وحفظوها عن ظهر قلب وطبعت منها عشرات الآلاف من النسخ، وكتبها الخطاطون في لوحات علقت في الأماكن العامة. وبلغ من شهرتها أن بيرم حين أصدر بعدها مجلة «المسلة» كتب تحت عنوانها «لصاحبها محمود بيرم التونسي صاحب قصيدة المجلس البلدي»:

قد أوقع القلب في الأشجان والكمد

هو حبيب يسمى المجلس البلدي

إذا الرغيف أتى فالنصف آكله

والنصف أتركه للمجلس البلدي

وما كسوت عيالي في الشتاء ولا

في الصيف إلا كسوت المجلس البلدي

يا بائع الفجل بالمليم واحدة

كم للعيال، وكم للمجلس البلدي؟

كانت البداية باللغة العربية الفصيحة، فهكذا هيأته ثقافته ومعارفه، ولكنه اضطر إلى طريق آخر، يقول فيه معتذراً بين يدي الفصحى:«استوعبت دراسة الأدب العربي من أمهات مصادره، وشربت من أصفى ينابيعه، ودرست البلاغة وعلوم اللغة وفقهها.

وكنت أظن أنني سأجتر هذه الثقافات العربية الصميمة، في صقل استعدادي وموهبتي الشعرية.. إلا أنني شهدت في مطلع حياتي صرعى الشعر وأشلاء الشعراء تحت أقدام المشعوذين وشذاذ الآفاق والمتجرين في سوق الأدب الفارغ والكلام الساقط واللغة الدارجة.

ثم تعاقبت المحن الثقال مع الليالي الطوال، فأخذت المجاعة بخناقي وخناق الأطفال، وتلقيت وحشة الاغتراب ونكد المرض وفقدان الأوطان والإخوان وضراوة المجاعة، فلم أر أن أضيف إلى هذه المحن القاصمة محنة الشعر. فتركت ثقافتي واستعدادي وموهبتي الشاعرة أمانة في ذمة الأيام، إلى الزجل، أنظم به المسرحية والموال والأغنية.وكم استأجرني كل دعي متسلق لقاء منحي القليل من الإثابة والمكافأة التي أجابه بها شظف العيش وخشونة الحياة».

في سنة 1919 أصدر مجلته «المسلة» لنخس المنحرفين والظلمة. فلما عطلتها السلطة، أصدر «الخازوق» وعلى صفحاتهما صالت وجالت أشعاره، بكل المعاني التي أثارتها ثورة 1919، من دعوة للجهاد، والتصنيع، والاعتزاز بالوطن والحرية، إضافة إلى العدل الاجتماعي وإصلاح حال العمال والفلاحين:

ليه أمشي حفيان

وانا منبت مراكيبكم؟

ليه فرشي عريان

وانا منجد مراتبكم؟

ليه بيتي خربان

وانا نجار دواليبكم

هيه كده قسمتي؟

الله يحاسبكم!

ولا يترك بيرم من الظلمة والعملاء والفاسدين أحدا إلا فضح انحرافاته وندد بمظالمه، فلما أصابت كلماته اللاذعة الأسرة الحاكمة الفاسدة، صدر الأمر بنفيه من مصر.

بدأت ملحمة الغربة والترحال «بلا حدود» في أغسطس 1920، فذهب إلى تونس التي كانت تعاني من سطوة الاحتلال فلم يأبه به أحد، فغادرها يائسا إلى فرنسا، حيث عاش ثلاث عشرة سنة متقلبا على جمر من الأعمال الشاقة، والجوع، والغربة في مرسيليا وليون وباريس. لكنه كان موهبة ثرة، يفيض إبداعاً وفنا صادقا مفعماً بالحنين إلى وطنه مصر، والشكوى مما يكابد، ويرسل ما يبدع إلى مصر.

في فرنسا تعرف إليه شاب تونسي مثقف يدعى «محمد بدرة» أعجب ببيرم وعرف قدره، فألح عليه أن يرحل إلى تونس موطن أجداده، وحدث بعض ساسة تونس في ذلك. وسافر بيرم ولقى في هذه المرة احتفاء عظيماً وتولى رئاسة تحرير جديدة «الزمان» مدة عامين استقال بعدهما وراح يراسل الصحف المصرية بأزجاله ومقالاته.

وفي عام 1936 استطاع إصدار جريدته «الشباب» فكانت منبره الذي عبر فيه عن أفكاره الحرة ونقده الساخر، ولكن ــ في هذه المرة ــ كان يكتب أشعاره باللغة الفصحى المليئة بالتعابير التونسية، وروح السخرية اللاذعة.

من لطيف ما يذكر في تجربته التونسية، ما كتبه «محمد بدرة» في الترحيب به، وجاء فيه:«يعود الأستاذ محمود بيرم إلى بلده الذي ينتسب إليه والذي خرج منه جده إلى مصر. وتونس اليوم تسترد من شقيقتها ابنها الذي أعارتها إياه عمراً كاملاً، وتشكر لها حضانته وإنماءه على أرضها وتحت سمائها، ثم ردته إليها صحافيا بارعا ومؤلفا قديراً وما أحوج صاحبي الجلالة الصحافة والمسرح في تونس إلى مثله».

مثلما كان في مصر تماما، ألهب بيرم بسياط لسانه كل مظاهر الظلم والفساد والنفاق والبؤس، ومن ذلك تصويره لسوق الترك الشعبي في تونس:

ألا عم صباحا أيها الطلل الباكي

وجل البلايا أن يحييك أمثالي

وقفت على رغمي بباب سويقة

كما وقف المعفور في وسط أوحال

أشاهد من قومي وأبناء جلدتي

هياكل من عظم مغطى بأسمال

ومن واقف حاف كتمثال آدم

وليس له في العين قيمة تمثال

ولما بلغت (الحلفوين) وأهلها

أعيذك من هول هناك وأهوال

ديار بناها مقعد وهو جالس

إذا قورنت بالقبر كان هو العالي

لم تحتمل الأوضاع في تونس لسان بيرم وفنه، وفي ابريل سنة 1937، أقلته باخرة ــ طريدا ــ من تونس إلى سوريا. وبعد وصوله إلى بيروت كتب إلى صديق له في تونس: «... استقررت في بيروت، ولكن على شروط حكومية، وإليك بيانها: حجز بوليس الميناء جواز سفري دون جميع ركاب الباخرة الذين كانوا من الأرمن والآشوريين وسائر الأجناس.

وفحصت إدارة الأمن العام هذا الجواز فوجدته ذهابا لا غير، ففهمت من تلقاء نفسها أنني مطرود، وعليه فسوريا الشقيقة لا تقبلني كلاجئ سياسي. وأخيراً سمحت بالإقامة شهراً واحداً بعد أن أخذت مني ألف فرنك تأمينا ليكون رجوعي إلى فرنسا أم الأوطان، والوطن الثاني لكل إنسان...».

وانتهى شهر الإقامة في بيروت ودمشق، فعاد إلى الباخرة ــ طريدا ــ إلى فرنسا. وتوقفت الباخرة في محطة «بورسعيد» فلم يملك بيرم نفسه، وتسلل خفية منها، ونزل إلى الأرض التي أحبها بكل جوارحه، وسافر إلى القاهرة وظل مختفيا في بيت ابنته الكبرى نحو خمسة أشهر، أرسل خلالها إلى الصحف رائعته «العودة»:

غلبت أقطع تذاكر

وشبعت يا رب غربة

بين الشطوط والبواخر

ومن بلادنا لأوروبة

وقلت ع الشام أسافر

يمكن ألاقى لي تربه

وأقول لكم بالصراحة

اللي ف بلادنا قليلة

عشرين سنة في السياحة

وأشوف مناظر جميلة

ما شفت يا قلب راحة

في دي السنين الطويلة

إلا أما شفت البراقع

واللبدة والجلابية

أخيراً ــ وبتوسط بعض محبي «بيرم» ومقدري فنه، حصل على عفو عنه، فظهر وراح يتألق في إبداعه السخي الوافر، في الغناء والأزجال والمقامات والأوبريتات وحتى الفوازير. والغريب أن هذا المصري حتى النخاع، العاشق لمصر حتى الوجد والهيام، ظل محروماً من الجنسية المصرية حتى قامت ثورة يوليو المجيدة، فاحتفت به، ومنحته الجنسية، وكرمته بوسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى. وكان ذلك تتويجا لما منحه له شعب مصر من أوسمة الحب والتقدير.

وفي الخامس من يناير 1961 أسبل جفنيه وأسلم روحه، وآوى إلى ثرى وطنه، واستقر في ضمير الشعب والأمة، تشدو مع فنه جيلاً بعد جيل. بلا حدود، من المحيط إلى الخليج.

عبدالوهاب قتاية