أعز الإسلام المرأة وكرمها وأنصفها وأعطاها من الحقوق مثل ما عليها من الواجبات، وأوصى الرجل بها خيراً، بوصفها شقيقته في المعتقدات والعبادات والمعاملات ، وتربية النشء وصنع الأجيال وتعمير الأرض واستمرار الحياة.وقد ذكر الله المرأة في كتابه الكريم مرات كثيرة وحدثنا عنها سبحانه وتعالى في مراحل عدة وفي هذه الزاوية نتناول بعون الله كل النساء اللاتي جاء ذكرهن في القرآن الكريم.
يقول تعالى في كتابه الكريم: (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون) «النمل 32». إنها الملكة بلقيس تلك الملكة الحكيمة صاحبة الفراسة والحكمة والدبلوماسية الأولى في التاريخ.وفي يوم كغيره من أيام هذه الملكة استيقظت بلقيس من نومها والظلام يحيط بكل شيء، قامت لتستعد للذهاب مع حاشيتها إلى معبد الشمس الكبير بأرض مأرب على بعد ثلاثة أميال من صنعاء، حيث يستقبل شعب سبأ يوما من الأيام المقدسة التي تشهد تقديم القرابين إلى الشمس التي يعبدونها من دون الله...!! وما إن أشرقت الشمس حتى اخترق نداء الكاهن آذان أهل سبأ يأمرهم بالسجود لها.. وفي الوقت الذي كان يسجد فيه أهل سبأ للشمس، كان نبي الله سليمان عليه السلام وجنوده يسجدون لله رب العالمين، اعترافا بحقه- عز وجل- وقد وهب الله سليمان ملكا عظيما، وكون سليمان جيشا مهولا من الإنس والجن والطير، وجعل لكل واحد في الجيش مكانا ومهمة عليه أن ينفذها.
واعتاد سليمان عليه السلام – أن يتفقد جنوده حينا بعد آخر وذات مرة لم يجد الهدهد فقال:(ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين) «النمل 20» فجاء الهدهد بعد أن مكث فترة من الزمن، فقال لسليمان بنص القرآن (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إي وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون) النمل 22: 24
وأخذ الهدهد يسرد لسيدنا سليمان ما رأى وما سمع ففكر نبي الله ثم قال:
(سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) النمل 27
لقد عرف الهدهد المؤمن بفطرته السليمة أن السجود لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى كما عرف أهمية الدعوة إلى الله، وكيف يتحرك لها حتى وإن لم يكلفه أحد بهذا العمل، وليتنا نتعلم من هذا الهدهد الجميل كيف تكون الدعوة إلى الله وكيف يكون الحرص على عبادة الله الواحد الأحد.
وبعد ذلك كتب نبي الله سليمان رسالة وأمر الهدهد بالذهاب إلى ملكة سبأ وأن يعطيها الرسالة فقال له:(اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون) النمل 28
وبينما كانت ملكة سبأ «بلقيس» تستريح من عناء يوم طويل في فراشها، دخل عليها الهدهد من النافذة وألقى عليها الكتاب، فقرأته وعلمت ما فيه.. فجمعت وزراءها وأعيان قومها وقرأت عليهم خطاب سليمان وطلبت منهم الرأي والمشورة.. ويجيء قولها في القرآن الكريم فتقول:(قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون)، ولاشك أن بلقيس كانت ملكة حكيمة وذات رأي سديد وبعد نظر وكانت تستخدم الشورى منهاجا لها ولما أجابها قومها وذكروها بقوتهم وشجاعة وقوة جيشهم ردت عليهم بقول حكيم.
(قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون) النمل 34.
وبعد أن أعادت قومها لرشدهم بدأت تظهر لنا جانبا آخر من شخصيتها الحكيمة وبما ينبغي أن يكون عليه أسلوب الحكم فبدأت تعتمد أسلوبا دبلوماسيا جديدا لكن هذه المرة مع خصمها وليس مع قومها فقالت:
(وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) النمل 35.
وأخبرت بلقيس قومها بأن سليمان إن كان ملكا قبل الهدية وانصرف، وإن كان نبيا فلن يقبل الهدية، ولن يرضى منا إلا أن نتبعه على دينه..
ولما وصلت الهدية إلى نبي الله سليمان أعرض عنها ولم يقبلها وكيف لا وقد أكرمه الله بالحكمة والنبوة وأعطاه من الملك ما لم يعط أحدا من العالمين فقال لرئيس الوفد: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) النمل 37
وأدرك سليمان بحكمته أن إنذاره هذا سينهي الأمر، بعد أن علم أن الملكة تريد الحرب، ولما علمت بلقيس بذلك استعدت للذهاب بنفسها للتفاوض مع سليمان ومعها كبار قومها وأمرت بلقيس جنودها بحراسة عرشها والحفاظ عليه وإغلاق الأبواب دون.. وقبيل حضورها أراد نبي الله سليمان أن يبين لها قدرة الله وعظمته, وكيف أعطاه ما لم يعط أحدا من العالمين..
ولما طلب عرشها من جنوده أسرع من كان لديه علم وأحضر إليه عرشها في أقل من طرفة عين.. فخر سليمان ساجدا لله سبحانه وتعالى معترفا بنعمته وشاكرا على فضله فضرب لنا مثلا للعبد الشكور فقال: (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم) النمل 40.
ورأت بلقيس ملك سليمان وحولها قومها يتهامسون فيما يرونه وعرفت عرشها حتى بعد أن غير سليمان معالمه ليرى مدى علمها ثم دخلت بلقيس صرحا من الزجاج أمر سليمان جنوده ببنائه وكان آية في جمال الشكل وإعجاز العمارة فلما رأت بلقيس كل هذا. قالت: (ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) النمل 44.
وهكذا أمنت بلقيس وسجدت لله وأسلمت له طوعا مع سليمان فتزوجها سليمان عليه السلام وعاشا معا لله قانتين.
جيهان محمود

