أنزل الله تعالى القرآن الكريم باللغة العربية، فكان ذلك تشريفاً لها ولكل الناطقين بها، إلا أن الإسلام كدين عالمي انتشر في كل مناطق العالم من المشرق إلى المغرب، وأصبح ضرورياً أن تترجم معاني هذا الكتاب المجيد دستور كل المسلمين لكي يكون عونا لكل المسلمين غير العارفين بالعربية كل حسب لغته.

وفي ذات الوقت لتنتشر القيم الإسلامية من خلال هذه المعاني السامية، التي يحويها القرآن الكريم، فتكون هذه الترجمات الصحيحة غير المغلوطة خير رد على الاتهامات، التي يواجه بها الإسلام في السنوات الأخيرة، إلا أن فاعلية هذه الترجمات مرهونة بصدمتها وقدرة القائمين عليها في نقل صحيح القرآن وفي ذلك تحد كبير للغاية نظراً للإعجاز القرآني اللفظي.وهنا يثار الجدل حول ضرورة ترجمة القرآن الكريم لنشر الإسلام والرد علي الافتراءات والاتهامات وما يمكن أن يترتب على ذلك من مخاطر تتمثل في إتاحة الفرصة لانتشار الترجمات المغلوطة لكتاب الله.

يقول د. جمال النجار رئيس قسم الصحافة والإعلام بجامعة الأزهر: إن القرآن الكريم معجز بلفظه ومعناه ولا يمكن لأي ترجمة لفظية أن تحقق ألفاظه، فإن دلالاته وإيماءه ورونقه فهو معجز قد تحدى الله به العرب، وهم أهل البلاغة والفصاحة فعجزوا عن الإتيان بمثله، ولا يمكن لأي مترجم أن يترجم بألفاظه.

لكن يمكن أن يترجم القرآن بالمعنى لتوصيله للشعوب غير الناطقة بالعربية، وعلى ذلك يشترط فيمن يترجم بأن يجيد اللغة العربية الأصلية ومداولاتها المختلفة وتفسير القرآن الكريم، وربما لا يتحقق ذلك في فرد بل يتم تشكيل لجنة لتضم متخصصين في اللغة العربية وأصولها وكذلك اللغة المترجم إليها.

ويوضح النجار أنه لا يتأتى للفرد مهما أوتي من عبقرية أن يترجم ألفاظ القرآن الكريم، ولابد لكي تكون تلك الترجمات صحيحة وموثقة أن يشرف عليها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والأزهر الشريف، مشيراً إلى أن هناك العديد من الترجمات الخاطئة لمعاني القرآن الكريم، التي كانت سبباً في اعتقاد الآخر بأن الإسلام يعني الإرهاب نتيجة لفهم الآخر خطأ أن الإسلام يدعو للإرهاب ذلك لما بلغهم من تلك الترجمات.

ويضيف: علي سبيل المثال نجد قوله تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم» (الأنفال: 60) قد ترجموا باللغة الإنجليزية قوله تعالى: «ترهبون» على أنه «الإرهاب» لكن المقصود من حقيقته هو تخويف أعداء الله بالقوة علي سبيل الترهيب فقط، وليس قتل الأبرياء بغير حق كما يقولون، كذلك قوله تعالى: «إني جاعل في الأرض خليفة» قالوا: إن الخليفة هو النائب عن الله أو مثيله.

وهذا مستحيل، لكن المقصود بلفظ خليفة في القرآن حقيقة هو من يخلف غيره وينوب عنه أي ليمتثل أوامر الله في الأرض، وليس ليكن بديلاً عن الله سبحانه وتعالى، ناهيك عن بعض الأخطاء المقصودة من بعض الترجمات العبرية في النسخ الخاصة بهم كحذف الآيات، التي تفضح خبثهم وتطاولهم علي أنبيائهم بل وعلى من هم أعظم من ذلك وهو الحق تبارك وتعالى.

نظم مفككة

تؤكد د. مهجة غالب أستاذ التفسير وعلوم القران أن الإسلام قد انتشر بالأساليب نفسها، التي انتشرت بها الأديان الأخرى، ثم انتقلت الدعوة من مكان لآخر لتصل إلى العالمية، وبمعاملة غير المسلمين للمسلمين فظهرت سماحة الدين الإسلامي، وأقبل العديد على اعتناق الدين الجديد، الذي وجدوه خير أسوة وأفضل دستور ينهلون منه علماً وأدباً وخلقاً، واستمر الدين في الظهور والتوسع إلى أن جاء عصرنا الحالي، الذي أصبح فيه أقل الناس فكراً يريد أن يكون له رأي..

وتشير إلى أن الحاجة لترجمة معاني القرآن الكريم برزت الآن بشكل ملحوظ جداً، فبعض الناس قد هيأهم المولى عز وجل لنشر الدين بأن شعروا أن لديهم ملكة روحية تجعلهم قادرين علي نشر دين الله، لينشروا تعاليمه السمحة في الدنيا كلها، في الوقت الذي أصبحت فيه كل النظم الوضعية مفككة، ولم تؤد أهداف الكثير من الحكام والشعوب.

وتضيف: لقد أصبحت الحاجة ماسة لمعرفة الآخر لدستور حياة المسلمين، وهو القرآن الكريم وذلك لن يتأتى إلا إذا فهموا جيداً معاني القرآن، والتي يجب أن تصل لهم صحيحة، وذلك لن يحدث إلا بترجمته إلى لغتهم واللغات المختلفة، خاصة وأن ذلك تطبيق لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: من كتم علما ألجم يوم القيامة بلجام من نار, فبترجمة معاني القرآن تتضح لهم الآيات في العقول والقلوب. وتستدل بما قاله الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله عن شروط المترجم، ومنها: الورع والتقوى ومعرفته للغتين: اللغة العربية واللغة الأخرى المترجم إليها، ومدى فهمه لمعاني اللغة العربية.

وعدم إصدار أو طبع أي ترجمة إلا بعد اطلاع علماء الأزهر وعلماء المسلمين في الدول العربية الأخرى عليها، حتى يتسنى له موافقة هذه الدول على طبعه وتوزيعه عن طريق الجهات الإسلامية الرسمية، ومن هنا سوف نتحاشى دخول ما هو ليس منه وسقوط ما هو فيه ولا تكون الترجمة حينئذ باعثاً علي تشويه صورة الإسلام.

أما د. توفيق علي توفيق أستاذ الأدب العبري الوسيط بجامعة الأزهر فيؤكد أن المشكلة في ترجمة معاني القرآن تتجه إلى أن معظم من ترجمها للعبرية من اليهود إن لم يكن كلهم، فلم يترجم مسلم متخصص لتلك المعاني. ويضيف: إن هذا بالطبع جعلهم يريدون تشويه صورة الإسلام والنبي الكريم لذا يشترط فيمن يقوم بالترجمة أن يكون على وعي كاف باللغة العبرية، كذلك وما يقصد القرآن من معان، فلابد أن توثق وإلا فلا يصح تداولها.