أحب التسميات إلى قلب راية المحرزي التي توصي باستخدامها للتعريف بها «رائدة في المجال الديني والتطوعي والاجتماعي»، فالسيدة تمتلك هذا التعريف عن جدارة، لا بل أنه يبدو غير منصف أحيانا بعد مسيرة 28 سنة من العمل في الإرشاد الديني والاجتماعي إلى جانب نشاط خيري وتطوعي.

فحياة راية لم تكن عادية ولا سهلة، زواج مبكر حولها إلى أم لستة أطفال وهي لا تزال في المدرسة. لم تلن، ولم تتعب، بل وجدت في الثقة التي منحها إياها زوجها تشجيعا لتدخل الجامعة وتدرس الشريعة والقانون من دون أن تتأخر في واجباتها العائلية والوظيفية والاجتماعية والوطنية.على الرغم من أنها كانت ترغب بأن نزورها في دارة العائلة الكبيرة في كلباء التي تختزن في كل زاوية منها ذكرى وقصة، وحيث تحتفظ بمكتبة قيمة وبأرشيف يختزن خطواتها العملية بكل تفاصيلها، إلا أن ظروف عملنا وعملها شاءت أن يكون لقاؤنا بها في أبو ظبي، واللقاء كان غنيا: ولدت راية خميس المحرزي في خورفكان في إمارة الشارقة من عائلة كبيرة وبيت «مفتوح»، فالوالد كما تروي كان إمام ومؤذن مسجد المديفي، وكبير عائلة المحارزة.

تفتحت عيونها وإخوتها الثلاثة وأخواتها الأربع، على أبوين ناشطين في عمل الخير وإصلاح الأسر والتوفيق بين رأسين بالحلال.تذكر راية «لمّة» أسرة والدها ووالدتها كل خميس وجمعة على مائدة دارة الوالد، وتقول: «الترابط الأسري كان متينا، فالناس كانوا اقرب إلى بعضهم من هذه الأيام لان ظروف العيش كانت مختلفة والمشاغل اقل نسبيا».

اسم على مسمى حرص الوالد على تعليم كامل أبنائه ذكورا وإناثا، فكان أن أرسلت راية إلى مدرسة «البادية» التي كانت تؤمن التعليم الأساسي للبنات في ذلك الوقت على نفقة دولة الكويت، مع إعلان قيام الاتحاد بين الإمارات السبع تغير وضع التعليم الذي صار على نفقة الدولة.

تقول راية عن تلك المرحلة: «اعتاد الشيخ خالد بن محمد القاسمي زيارة المدارس من وقت إلى آخر. كنت رائدة صفي فعهدت إلى الناظرة تقديم مصحف كهدية لسموه. لما اقتربت منه سألني عن اسمي، وقال «يا راية إن شاء الله تصبحين اسما على مسمى، شدي حيلك». رددت بخجل واعدة سموه بان أجتهد لأكون عند حسن ظنه».

تكرر الأمر مع راية مع تسلم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي زار مدرستها حيث قدمت له باقة ورد باسم التلميذات. سألها عن اسمها وقال: «إن شاء الله تكوني راية وشيء مهم، شدي حيلك». وعن مرحلة إعلان الاتحاد تقول راية: «كنت صغيرة أراقب حديث الكبار عن كثب. كان «معرف» يزور العوائل الكبيرة ويشرح لهم ما حصل وأهمية قيام اتحاد بين الإمارات لتشكل دولة قوية.

اذكر أن الجميع اعتبروا الحدث فاتحة خير، وبالفعل ما هي إلا أشهر حتى بدأنا نلمس تغييرا على المستويات كافة التربوية والطبية والاقتصادية وغيرها. لقد كان أبونا زايد حريصا على أن يتعلم أبناء الاتحاد فشجع افتتاح المدارس والجامعات بعد أن كانت بعض العوائل ترسل أبناءها إلى الأردن والكويت للدراسة الجامعية. ولم تكن هذه الفرصة متاحة للبنات إلا ما ندر من بينهن بسبب العادات والتقاليد المحافظة».

زواج مبكر ونصيحة الأم

مثل كثيرات من بنات جيلها، تزوجت راية في سن مبكرة، في الثانية عشرة من العمر. لم تكن تعرف الرجل الذي ستنتقل للعيش معه في كلباء، إذ لا قرابة تجمع العائلتين. ارتضت بمشيئة الوالدين. تقول: «كانت الوالدة رحمها الله سيدة صوامة قوامة يقتصر تعليمها على القرآن الكريم وتعليم الميدان. أوصتني بكتاب الله، وبرضا الوالدين والزوج، وبان أعامل والد ووالدة زوجي كما والدي.

كما أوصتني بالولاء للوطن وان أسعى لأكمل تعليمي، لاستفيد وأفيد أولادي».تضيف راية مبتسمة: «قالت لي أمي بحزم لا أريدك أن تأتيني يوما «زعلانة» هذا الرجل سيكون زوجك، أحسني إليه وهو يحسن إليك. كان الطلاق في ذلك الزمن عيبا على عكس هذه الأيام التي تحول فيها سهلا كشربة الماء».

دفع كلام الأم راية إلى التفكير مليا ووضع خطة منهجية لحياتها تمكنها من الوفاء بوعودها لوالدتها وتحقيق حلمها بإكمال تعليمها من دون أن يؤثر ذلك سلبا على أسرتها. صلت وطلبت من الله أن يكون زوجها متمتعا بخصال والدها: «استجاب الله دعائي فزوجي أبا عبد العزيز اليماحي الذي كان يكبرني بستة عشر عاما، رجل طيب وتقي يخاف الله ومنحني ثقته الكاملة».

ما يزيد قصة راية تشويقا قدرتها على التحمل والمثابرة والتنسيق الدقيق المتقن بين مختلف أجزاء حياتها، رغم تحملها مسؤولية كبيرة وهي لا تزال طرية العود. فالسيدة التي تحولت رائدة المجال الإرشاد الديني والعمل التطوعي والاجتماعي تمكنت من إكمال دراستها في كلباء في مدرسة «جميلة»، وهي أم لستة أطفال. وحثت زوجها على نيل شهادته الثانوية والتحق الزوجان بالجامعة حيث درسا الشريعة والقانون.

وحصلت راية وهي لا تزال على مقاعد الدراسة على وظيفة في هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ونشطت في مجال العمل الاجتماعي من دون كلل أو ملل، ومن دون أن يؤثر ذلك على حياتها وواجباتها الأسرية والدينية والوطنية، وبل حولته إلى جزء منها. تقول راية: «وفقني الله، ورزقني بسبعة أولاد وخمس بنات هم: عبد العزيز وموسى وعايشة وخالد وأحمد وطارق وبن هويدن وأسمى وعليا وصفية ومروى وعلي. وصرت جدة لثمانية وعشرين حفيدا وحفيدة حتى الآن».

توجيه يوصف المشكلات

بدأت راية عملها التطوعي في سن مبكرة بالكاد تذكر تاريخ أول نشاط قامت به ولكنها تؤكد على مسيرة مستمرة منذ 28 سنة. كان النشاط يقتصر على البيت والحي والمنطقة التي تسكن، ليتوسع مع مرور السنوات ويشمل مختلف إمارات الدولة ودولا مجاورة. لا يقتصر نشاطها الحالي على إلقاء المحاضرات الدينية التوجيهية والثقافية والاجتماعية بل يتعداه إلى مساعدة الفقراء والمساكين.

وفي هذا السياق تقول: «يجب أن لا تعرف يدك اليمنى ماذا أعطت اليسرى»، وعند سؤالها عما إذا كان الفقراء الذين تهتم بمساعدتهم من أبناء الدولة دون سواهم، تكرر بعض الآيات لتؤكد أن الفقراء من كل الناس وان أعدادهم يتزايد بسبب الغلاء المعيشي».

تعتقد راية أن المجتمع الإماراتي الذي يشهد انفتاحا اقتصاديا وثقافيا وفورة عمرانية وتجارية، لم يتأثر بذلك ولم يشهد تغييرات كبيرة أو جذرية بسبب هذه الفورة وخصوصا في المناطق الشرقية النائية، «فالتمسك بالعادات والقيم والتراث موجود بالفطرة لدى العوائل الإماراتية التي مازالت متحدة ومتماسكة»، وتشير إلى أن بعض حالات التفكك حصلت في المدن التي تغيرت معالمها وشهدت دخولا لوافدين من 215 جنسية مختلفة لكل منها عاداتها وأفكارها التي تطبع تصرفاتها.

وترى أن وفرة المال شكل رحمة ونعمة لكثير من العائلات بينما حوله آخرون إلى نقمة ليقوموا بأشياء لا ترضي الله. وأكثر مَن تأثر بالمال كان العنصر الذكوري الذي ساهم بدوره في التأثير على المرأة إيجابا وسلبا بحسب تصرفه مع تلك المادة. ولا تهمل في تعدادها لأسباب مشكلات اجتماعية الإماراتية مواضيع الاختلاط بالأجانب والسفر إلى خارج الدولة واستنساخ عادات وتقاليد لا تمت إلى الإسلام بصلة.

تجد راية في كل ما سبق مادة دسمة وضرورية تنطلق منها محاضراتها التوجيهية والثقافية التي تلقيها على السيدات والرجال. تركز في المحاضرات المخصصة للسيدات على الالتزام بفروض الصلاة الخمسة وقراءة القرآن. وكانت قد شاركت في حملة التوعية والتوجيه التي نظمها صندوق الزواج لحث الناس على تخفيف نفقات الزواج بعد المهور التي شكلت سببا رئيسا في عزوف الشباب عن الزواج وانتشار ظاهرة العنوسة والزواج من أجنبيات. وتلقي محاضرات حول الطلاق باعتباره أبغض الحلال عند الله.

ربت راية أولادها كما ربتها والدتها والتزمت معهم جميعا العادات والتقاليد وخصوصا فيما يتعلق بالحفاظ على البنت. فبالنسبة لها لا يعني عقد قران البنت حجة لتخرج مع الشاب الراغب بها كيفما تريد وأينما تريد، فهذا لا يعطيهما إلا التحدث على الهاتف الذي تحصل عليه البنت بعد موافقة الزوج ولا يسمح لهما بالاختلاء قبل أن تنتقل إلى داره عنها تصبح في عهدته.

أما المحاضرات المختلطة أو الخاصة بالرجال فغالبا ما تكون دينية تدعو فيها إلى الرأفة بالمرأة لأنها أساس البيت والخميرة التي تنشئ أسرة جيدة. تضيف في هذا السياق: «أن انتشار التعليم وتحسن مستواه كان له وقع ايجابي على المرأة الإماراتية بشكل عام والفضل في هذا يعود لأبينا زايد رحمه الله الذي اخرج المرأة من الظلمات إلى نور التعليم».

شهر رمضان

تبدأ راية التحضير لرمضان منتصف شهر شعبان، فتكثر المحاضرات الدينية حول الدولة. وتبدأ راية بتحضير كشوفات بأسماء وعناوين فقراء وأيتام وأسر متعثرة، «ومع حلول الشهر الفضيل نلتزم الصوم والصلاة وقراءة كتاب الله. تتجمع الأسرة في بيت العائلة في كلباء في غالب الأحيان، بعد الفطور نصلي صلاة التراويح ونقرأ الأدعية، نتبارى طيلة الشهر إلى ختم القرآن وبيننا من يختمه مرتين ومن قد يصل إلى خمس مرات. ولتشجيع الصغار على ختم كتاب الله نخصص لهم الهدايا».

تشدد راية على ضرورة أن يحضر المرء نفسه لرمضان فينقي قلبه وعقله ويطلب من الله الغفران والهداية، وحفظ اللسان عن النميمة، «لا يجوز المبالغة في التغذية والمنافسة فيها، لان ذلك لا يرضي الله».

تصر راية على السفر إلى مكة مع حلول الخامس عشر من رمضان حيث تشارك في حملة إفطار الصائم هناك وتشارك نساء أخريات في مسعاهن والصلاة والتأمل. تعود قبل انتهاء الشهر للتحضير للعيد ولتكون إلى جانب عائلتها، تقول: «رمضان شهر فرح وتقوى أجمل ما فيه عاداته التي تجمع الأهل والأصدقاء».

أما أول أيام العيد وبعد العودة من المصلى تمتد موائد العيش واللحم والخبز والهريس، «تأتي العائلة كلها إلى دارتنا في كلباء نهنئ بعضنا بالعيد وننتقل إلى بيوت الأسر المعروفة لتهنئتها ونتقبل بدورنا تهاني اسر أخرى لننتهي عند شيوخنا وحكامنا. فيزور الرجال شيوخنا ونزور نحن النساء شيخاتنا للتهنئة.. ولا ينسى الأطفال من أن يمروا ببيوت «للعيدية» ونستقبل منهم أفواجا».

وما إن ينتهي رمضان حتى تنكب راية بالتحضير لعيد الأضحى ولموسم الحج وتذكر أنها كانت أول امرأة في الإمارات تترأس بعثة حج رسمية قبل 16 سنة.

تكريم وأحلام لا حدود لها

تتكلم باعتزاز عن عضويتها بخمسين جمعية في الدولة وعشر في دول مجلس التعاون، تحمل نحو 600 شهادة تقدير من الدولة وخارجها، وإلى جانب نشاطها هذه فهي كاتبة مقالات نشيطة في وسائل الإعلام المكتوبة في الدولة. اختيرت الأم المثالية على مستوى الدولة في 23 ـ 3 ـ 2007.

ونالت جائزة العمل التطوعي التي يمنحها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مرتين. تشير إلى مكتبة في دارتها في كلباء يزيد عدد الكتب فيها على سبعمئة كتاب، تضحك في إشارة إلى رد ايجابي عند سؤالها ما إذا كانت قرأتها كلها.

أما عن أحلامها «فتسأل الله أن يعين رؤساءنا وشيوخنا واسر الدولة على عمل الخير. أحلم وأطلب من ربي أن تحل مشكلات العنوسة والطلاق، وان يمنحني الصحة والقوة على مواصلة عملي والقيام بكل واجباتي مهما اختلفت وصعبت».. وتردف قائلة بلغة حازمة فيها من التواضع وعزة النفس والإرادة ما لا يمكن زعزعته: «لا اطمح بوظيفة اكبر ولا بمنصب في الحياة الدنيا، ولا أطلب شكرا ولا مديحا بل دعاء».

كارول ياغي