تغريه نسمات الصباح الخريفية بالنوم، لكن الرائحة التي تهب عليه من ناحية ما من البيت تدعوه إلى الاستيقاظ وخلع غلالة النعاس عن عينيه اللتين تغالبان دعوات النوم والرائحة في آن واحد.

هو يعرف أن معركة النوم مع دعوة الرائحة خاسرة ككل مرة، لكنه مستمتع بهذه المعركة التي يعرف نتيجتها مقدما لأنها أصبحت طقسا من طقوس الإجازة الأسبوعية. ينهض من الفراش متثاقلا، كان بوده أن يتجه إلى مصدر الرائحة مباشرة، لكنه يعرف أن ثمة سؤالا تقليديا ينتظره هناك: هل توضأت وصليت الفجر؟

لذلك اختصر على نفسه الطريق وأصبح مستعدا للإجابة قبل أن يتخذ طريقه إلى ذلك الركن الذي يعرفه جيدا من البيت. كانت أمه تجلس على ذلك الكرسي الخشبي المنخفض جدا. كان الكرسي أقرب ما يكون إلى درجة تم فصلها من سلم خشبي.

لم يكن لذلك الكرسي ظهر، لذلك كانت أمه تسند ظهرها إلى جدار المطبخ عندما تشعر بالتعب، ثم سرعان ما تعود إلى الانحناء مرة أخرى لتحريك النار تحت (المخبز) الذي كانت تقلب فوقه الأرغفة مخافة أن تحترق، حتى إذا ما تأكدت أنها قد استوت، وضعتها في (القدر) التي تتخذ مكانها على يمينها.

لم ينتظر هذه المرة سؤال الأم التقليدي المعتاد فبادرها بأنه قد توضأ وصلى الفجر قبل شروق الشمس وأصبح جاهزا لبدء يوم جديد أخذت شمسه تطل على استحياء معلنة قدومه.

كان بإمكانه أن ينتظر حتى تنتهي أمه من تحويل جميع عجينها إلى خبز شهي، لكنه كان سيفقد لذة تلقف الرغيف وهو لم يزل بعد ساخنا من فوق سطح (المخبز) وشمِّ تلك الرائحة التي انتزعته من فراشه.

وجعلت النوم يخسر معركته في ذلك الصباح الذي كان ينشر بهجته في نفس الطفل الصغير الذي اعتاد الاستيقاظ مبكرا على خلاف أطفال هذه الأيام الذين ينامون مع بزوغ الفجر ولا يستيقظون إلا وآخر خيط من خيوط الشمس يودع السماء معلنا انتهاء النهار ودخول الليل.كم أكل ذلك الطفل الصغير من أرغفة أمه الساخنة اللذيذة؟

هو نفسه لا يعرف العدد، لكن الذي يعرفه جيدا بعد كل سنوات العمر التي تعاقبت على مرحلة الطفولة تلك أنه لم يشم رائحة رغيف في حياته أطيب من تلك الرائحة، ولم يذق رغيفا في حياته ألذ من ذلك الرغيف الساخن الذي كانت رائحته توقظه من عز نومه وتنتزعه من فراشه.

واليوم عندما يرى مختلف أنواع الأرغفة التي وفدت على هذه البلاد من شتى أصقاع المعمورة، يتم حشوها بمختلف أنواع الحشوات التي لم يعرفها هو وأقرانه في طفولتهم، يتذكر ذلك الرغيف الذي كان يتلقفه ساخنا من فوق (المخبز) معجونا برائحة ذلك الزمن الجميل، مخبوزا بأيدي أولئك الأمهات اللواتي كان أبناؤهن يأكلون مما يخبزن ويطبخن.

اليوم عندما يرى ذلك يشفق على أبناء هذه الأيام الذين يعلِّقون في غرف نومهم قائمة بأرقام مطاعم الوجبات السريعة، تتحرك أصابعهم متصلة بها كلما عضهم الجوع أو قرص بطونهم، بينما تغط الأمهات في النوم العميق، تَرْكُن أياديهن إلى الراحة، ولا تعبق بيوتهن بتلك الرائحة التي توقظ الأبناء من عز نومهم، تنتزعهم من فُرِشِهم، لتقودهم إلى تلك الأركان التي لم يعد لها وجود في البيوت الخالية من الروح والرائحة.

ذهبت تلك الرائحة، ولم يعد لتلك البيوت ألقها، وأصبح ذلك الرغيف الساخن أمنية عزيزة من الأماني التي لم يعد بإمكان أمهات هذه الأيام تحقيقها.