يوم آخر من أيام الصيف القائظ توشك أن تغرب شمسه بعد قليل. لو كان في (ديرة) حيث يسكن لاقترن منظر الغروب بالبحر، أما في (البراحة) حيث يقضي الناس أيام الصيف في (المقيظ) كعادتهم كل عام فقد كان منظر الغروب مرتبطاً بالنخيل التي تقع خلف (عريشهم) وتسلل الظلام إليها، ليغدو منظرها بالنسبة للأطفال الذين هم في مثل سنه باعثاً للغموض وشيء من الخوف يشعر به الأطفال عادة كلما أوغل الظلام في الوقت أو أوغل الوقت في العتمة.

ومع ذلك فما هي إلا سويعات قليلة حتى يظهر القمر مبدداً عتمة الليل، محولاً غموضه إلى طقس لممارسة بعض الألعاب الصيفية المرتبطة بليل (البراحة) الذي يتحول إلى مهرجان صيفي عفوي ينطلق فيه الأطفال حسب مراحلهم السنية ليمارسوا ألعابهم التقليدية.

أو يستمعوا إلى (خراريف) الجدات وحكاياتهن التي لا تخرج عن منهجها السنوي المقرر، في زمن لم تعرف الكهرباء فيه طريقها إلى رمل (البراحة) و(العرش) التي كان ينصبها الأهالي للمقيظ، حتى إذا ما انقضت أيام الصيف عادت إلى تلك الرمال عذريتها لتمتد على مرمى البصر، لا يكسر انبساطها سوى قامات النخيل التي تتوزع في أماكن متفرقة منها.

يوشك ليل (البراحة) الجميل الذي ما زالت الذاكرة تختزنه أن ينتصف، ويوشك قمره أن يتحول إلى الجهة الأخرى من السماء. أما أطفال (البراحة) الذين أنهكهم اللعب والجري فلم تعد أعينهم تقوى على مقاومة النعاس الذي شن هجومه عليها بعد فاصل من المداعبات، داعياً إياها إلى الخلود للراحة بانتظار يوم آخر تشرق شمسه على أهل (البراحة) الطيبين دون أن يحمل لهم جديداً يغير من وتيرة الحياة البطيئة الذي يتمنى صاحبنا اليوم لو عادت ببطئها الجميل بعد أن دارت عجلة الزمن لتحوّل (براحته) الوادعة إلى شوارع حديثة وبيوت مبنية على أحدث طراز، لا يرى سكانها سوى سواد الإسفلت الذي تجري عليه سياراتهم، بينما تحول أسقف بيوتهم دون رؤية السماء التي كانت ذات يوم أجمل ما في (البراحة) بقمرها ونجومها التي يتبارى الأطفال في معرفة أسمائها.

اتخذ ذلك الطفل الصغير مكانه فوق (المنامة) التي تحتل الأمتار القليلة التي أمام (عريشهم) بين والده ووالدته وأخواته، وسكن ليل (البراحة) الذي كان الأطفال قبل قليل يملؤونه لعباً وصخباً، وسبح سكان (البراحة) في أحلامهم التي لم تعرف وقتها الأسهم والأرصدة المتراكمة في حسابات البعض في البنوك، والقروض التي تثقل كواهل البعض الآخر في زماننا هذا.

أما صاحبنا ذو السنوات الغضة البريئة فقد كان له هو الآخر أحلامه المستمدة من (خراريف) الجدات والألعاب التي كان يمارسها مع أقرانه.

كانت خيوط الشمس الذهبية تمد بين الأرض والسماء جسراً عندما انقلب على جنبه الآخر ليجد قطرات الندى التي كانت تبلل مخدته تستقبل الجانب الآخر من وجهه، شعر ساعتها بخدر لذيذ وبرودة سرت في جسده، يتمنى اليوم لو يعيش ساعة في أحضانها رغم الصقيع الذي تنفثه مكيفات الهواء في وجوه الناس ليل نهار، لكنه صقيع لا يعادل نفحة من ليل (البراحة) الذي ذهب دون ذرة أمل في عودته، ولا قطرة ندى من قطرات صباحها الذي يشيع في النفس صفاء يفتقده الآن ويحن إليه في زمن الهواء المعلب والمشاعر المتجمدة والسماء التي لم يعد فيها مكان للنجوم والقمر.

aliobaid2000@hotmail.com