في محاولة تقصي أصول الاستشراق وربطه بالاستعمار تذهب بعض الآراء الى أن الاستشراق كمذهب علمي أوجده نابليون، وذلك خلال حملته على مصر وبعدها. لقد أبدى نابليون تآخيا مع المسلمين، وصل الى حد زعمه أنه هو نفسه اعتنق الإسلام. وهنا وكما يذكر الدكتور إبراهيم الفيومي في استعراضه لهذا الجانب فإن رغبته تلك في تحسين التفاهم بين المسلمين والأوروبيين كانت صادقة بيد أنه لم يكن خاليا كليا من الغرض.

لقد كان حلم نابليون أول الأمر على الأقل كسب صداقة المسلمين لكي يواصل بفضل هذه الصداقة معركته ضد بريطانيا العظمى، خدمة لمصالحه ومصالح فرنسا في الشرق.وهكذا اصطبغ علم الاستشراق منذ بدايته كعلم مستقل في نهاية القرن التاسع عشر بالشعور المزدوج وهو مزيج من التعاطف الظاهر لتحقيق المصلحة السياسية.

وعبر الحملة الفرنسية حدث شيء آخر حيث دخلت الشرق العلمانية الأوروبية وأفكار الثورة الفرنسية التي غزت أنحاء القارة الأوروبية ولعل هذا هو الجديد الذي واجه الحضارة الإسلامية في صورتها المتأخرة والتي بدت للمثقفين الجدد في الشرق كسر نبوغ الغرب وتفوقه بل اعتبرها الكثيرون الطريق الوحيد للتغلب على ميراث عصور الخمول المتعاقبة.

ومع ازدياد أطماع الغرب طرأت تغيرات حتمت ضرورة دراسة الشرق بصورة أعمق والوقوف على جميع نواحيه الفكرية والسياسية والثقافية والدينية وعوائده ونظمه.

وكان الباعث على ذلك هو ما عرف باسم المسألة الشرقية أو توزيع تركة الرجل المريض وهو الدولة العثمانية وقد كانت هذه أهم القضايا الحيوية أمام السياسة الأوروبية في ذلك الوقت والتي تم على أساسها توزيع تركة الرجل المريض وإعادة تشكيل جغرافية العالم العربي بل والعالم الإسلامي وتقسيمه الى مناطق نفوذ للاستعمار وإسقاط الخلافة العثمانية وإعلان الوصاية عليها وعلى العالم الإسلامي لذلك حفزت تلك القضية أوروبا الى دراسة الشرق بصورة أعمق وفق ذلك المخطط الاستعماري المرسوم.

وعلى ذلك يصل أصحاب هذه الرؤية الى أن الخلفية التاريخية للاستشراق هي التي حددت مفهومه وأهدافه ونشأته فهو مصطلح يشير الى الدراسات الغربية للشرق بأنواع الثلاثة الأقصى والأوسط والأدنى من حيث شعوبه ودياناته رغبة في اكتشافه لتطويعه لسياسة الغرب وخدمة لأهداف الاستعمار.

وإن كان يرد التحفظ على إيغال هذا النظر في المؤامرة خاصة ذلك الطرح الذي يقرر ما يمكن اعتباره تواطؤا مشتركا بين أوروبا المتحدة وريثة الإمبراطورية الرومانية التي أزال الإسلام مجدها وروسيا السوفييتية وريثة الإمبراطورية البيزنطية التي عصف الإسلام بها أيضا وهو ما وحد الأهداف بينهما في اقتسام نفوذهما على العالم الإسلامي ثم بتحقيق مطلب الوصاية عليه، فتلك نظرة قد لا تعبر عن حقيقة تطورات قضية الاستشراق رغم أنها لا تجانب الصواب في بعض أسسها.

mostafa1962@yahoo.com