أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد.
لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسموات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
الرادار في تسعينات القرن التاسع عشر حظي العالم باختراع لتسجيل الصوت البشري على أقراص شمعية حملت اسم الاسطوانات.. وفي عشرينات القرن العشرين سعد الناس باختراع جهاز البث الإذاعي الذي عرفوه باسم الراديو.
وبعدها دخل هذا المذياع حياة الشعوب كافة.. اقرأ الأعمال الفنية الجليلة التي أبدعها الروائي العربي نجيب محفوظ وسوف تكون شاهداً على حلول الراديو بأخباره وبرامجه وتمثيلياته محل شاعر الربابة الراوية الحكواتي القديم, الذي طالما أمتع سُمّار المقاهي ورواد المنتديات الشعبية في أكثر من قطر عربي بحكاياته عن بطولات السيرة الهلالية, دع عنك معارك السجال بالكلمة والسيف بين أبو زيد الهلالي وغريمه دياب بن غانم. الذين استقبلوا اختراع الراديو استخدموه ــــ ولا جناح عليهم في ذلك ــــ أداة التثقيف أحياناً, ووسيلة للتسلية في كثير من الأحيان. لكن الذين اخترعوا الراديو أصلاً كان لهم في ذلك رأي آخر.. ربما لأنه نشأت في حياتهم ومجتمعاتهم احتياجات أخرى.. كان الإنجليز قد خاضوا بداية الحرب العالمية الأولى..
وخرجوا منها رغم النصر مثخنين بالجراح.. وكان سلام فرساي عام 1918 أقرب ما يكون إلى هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفس ومعاودة الاستعداد من جديد لخوض حرب أكثر ضراوة وأشد اتقاداً. كان الإنجليز يتابعون جهود ألمانيا في عهد الرايخ الثالث وتحت قيادة أدولف هتلر في تحويل جهودها نحو إنشاء وإدارة صرح متكامل من الصناعات العسكرية لزوم إنتاج أسلحة أشد فتكاً وأعلى كفاءة وخاصة في مجال الطيران. وكانت مصانع النازي تحشد كل قواها لإنتاج طائرات «مسرشميت» الشهيرة من أجل استخدامها للإغارة على أعداء الأمس، انجلترا وفرنسا في يوم قريب أو بعيد.
وسط هذا الجو من الترقب.. أنشأ الانجليز في بداية عام 1935 هيئة عليا حملت اسم اللجنة العلمية لبحوث الدفاع الجوي.. وكان أول أعمال اللجنة مذكرة بعثت بها بتاريخ 12 فبراير 1935 إلى مختبر بحوث الراديو في انجلترا تطرح سؤالاً جوهرياً واحداً:
* هل يمكن استخدام بث الإذاعة في حالة الحرب ليكون بمثابة«أشعة الموت» التي تسلط موجات الراديو لتحطيم طائرات العدو المغيرة؟
وبعد أن وضعت المذكرة على بساط البحث العلمي.. جاء الرد موقعاً باسم المشرف على المختبر البحثي وهو روبرت واطسون وات (واط) وكان الرد كما يلي:
- إن هذا الأمر مستحيل لأنه يتطلب كمية هائلة من الطاقة. ولكن الممكن هو اكتشاف تحليق طائرات العدو من خلال متابعتها ومحاصرتها بواسطة موجات الراديو الأثيرية.. وقياس مدة الاستجابة مما يمكن معه حساب اتجاه الغارة الجوية والمسافة التي تقطعها.
دارت هذه الوقائع في انجلترا. والغريب أن كانت وقائع وبحوث مماثلة تدور في ألمانيا ذاتها وربما قبل هذا التاريخ، حيث بدأ العالم الألماني رودلف كوهنولد في سلاح البحرية النازي يجري تجاربه في ميناء كييل على إمكانية اكتشاف السفن المعادية قبل أن تغير على الشواطئ وكان ذلك منذ عام 1933.
والمهم أن سارع البريطانيون إلى تجريب استخدام موجات الراديو اللاسلكية وأنشأوا محطة تجارب لهذا الغرض ترصد نبضات البث الذي يحيط حركة الأجسام القادمة من كبد السماء. ومن التجارب اتضحت إمكانية كشف هذه الأجسام (الطائرة) من مسافة 64 كيلو متراً.. وبعدها توسع الانجليز ليصل عدد محطات هذا الكشف الجوي التي أنشأوها إلى 20 محطة على شواطئ الجزر البريطانية في عام 1939 فيما كان الألمان يفعلون الشيء نفسه على شواطئهم.
ومن مفارقات تلك الفترة على نحو ما يرصد مؤرخوها أن كل طرف لم يكن يدري أمر المحطات التي كان يؤسسها الطرف الآخر رغم أن أي محطة من هذا النوع كانت منشأة كبيرة وبادية للعيان.
* من الذي خلع على هذه المحطات وعملياتها اسم الرادار؟
- إنهم الأميركان الذين وصفوا بها عملية الكشف وتحديد النطاق باستخدام الراديو اللاسلكي. كان ذلك عام 1940 وهو عام معركة بريطانيا الشهيرة التي شهدت غارات الطيران الألماني على لندن وأثبتت بطولة الرادار في الحد من الخسائر ونطاق الدمار.
كان الفضل يرجع في ذلك إلى المهندس الموهوب واطسون ـــ واط الذي لا يزال اسمه مقروناً بقياسات الجهد الكهربائي.. ولذلك أنعموا عليه بلقب سير في عام 1942 وأن ظلوا يتكتمون على براءة اختراعه أو اكتشافه لأغراض السرية حتى أعلنوه عام 1947. ولقد طالت حياة السير واط إلى عام 1999 حيث رحل إلى عالم البقاء عن 107 من الأعوام.
قرص الكوابح (الفرامل)هذا اختراع مظلوم كما يصفه المؤرخون أحياناً أو هو«البطل المجهول الذي لم يؤلفوا لمديحه نشيداً ولا أهزوجة تتغنى بفضله» على صناعة السيارات في العصر الحديث.
وإذا كان الله قد سّخر للبشر كل أنواع الدواب التي توصلهم إلى بلد ما كانوا بالغيه إلا بشق الأنفس، فقد تعوّد الناس، على اختلاف البيئات ما بين الصحراء أو وديان الأنهار وعلى تعدد الثقافات ما بين البادية أو الثقافة الزراعية أو الصناعية ــــ تعودوا على أن يتفاهموا مع دواب الركوب التي سخرت لمصلحتهم على أساس حوار طريف حقاً بين المسافر أو الفارس وبين الجواد الذي يمتطيه.. كل من الطرفين يعرف بإشارة أو إيماءة..
أو يدرك بكلمة أو رمز أو مصطلح متى تتحرك الدابة وكيف يصدر إليها الأمر بالتوقف عن المسير. لا عجب أن افتتن الجاهليون بتلك العلاقة الطريفة بين عالم الإنسان ودنيا الحيوان فاختاروا أن يفتتحوا أشهر قصائدهم بتعداد مناقب الدابة سواء كانت جواداً يصفه امرؤ القيس بأنه منجرد قيد الأوابد هيكل.. أو كانت ناقة يصفها طرفه بن العبد بأنها عوجاء مرقال تسير وتغتدي..
ومع العصور الوسطى إلى بواكير العصر الحديث كان أهل الغرب يستخدمون عربة البريد الشهيرة التي كانت الوسيلة الوحيدة لنقل المسافرين والمسافرات أيضاً عبر السهول والبراري والوديان.. وقد خلدت ذكرى هذه الكوتش كما أسموها - أفلام رعاة البقر التي أغرقت بها هوليوود أسواق الفن وأفئدة البشر في منتصف القرن العشرين.
وعندما توصلوا إلى تصنيع السيارة.. في إطار ثورة المواصلات التي شهدتها السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر.. كانت النماذج الأولية ـــ حتى لا نقول البدائية من السيارة ـــ الأوتوموبيل كما عرفها العرب في أيامها الأولى ـــ تحتاج بداهة إلى وسيلة لوقف حركتها..
وما كان منهم إلا أن استخدموا الكوابح (الفرامل) البدائية أيضاً التي كانت تعرف باسم كوابح الحذاء (Brake Shoes) وهي التي كانت مستخدمة في عربات الأمس التي تجرها الجياد. وكان الأمر في غاية الصعوبة على مستخدمي السيارات الأولى حيث كانت السيارة أثقل من عربة الحصان وزناً وأسرع حركة.
وفي عام 1899 بدأوا في إنتاج كوابح اليد لوقف حركة السيارة. ولكن تكرار الاستخدام كان يقلل من كفاءتها بفعل السخونة.. ظل الأمر بانتظار التوصل إلى وسيلة أكفأ وأكثر أماناً لوقف حركة المركبة الآلية، خاصة وقد كان الأمل معقوداً على زيادة سرعتها مع دخول العالم سنوات القرن العشرين. هنا دخل إلى الحلبة مهندس عبقري انجليزي اسمه فردريك لانكستر. وقد وصفناه بالعبقرية لأن سجل تاريخه يربط بين اسمه وبين نحو من 400 براءة اختراع في مجال حركة الطيران ودنيا السيارات.
ويشهد سجله أيضاً بأنه أول من صنع سيارة انجليزية خرجت إلى الشارع في عام 1896 وكان عمر صاحبنا لا يزيد على سن 38 سنة. وقبل أن يحل عام 1900 للميلاد كان المهندس لانكستر قد أضفى تجديدات أو تجهيزات ثورية حقاً على دنيا السيارات حيث طورها عن شكلها الكلاسيكي الأول الذي كان يجعلها تبدو أقرب إلى عربة الجياد وكان أن وضع خزان البترول تحت مقعد السائق.
وأدخل فكرة المحور الذي تدور عليه العجلات. وفكر في حكاية صناديق التروس التي كانت أقرب إلى حركة السيارة الأوتوماتيكية.. مشكلته أنه كان مخترعاً موهوباً بقدر ما كان مديراً فاشلاً لدرجة أن كثيراً من محاضراته وأبحاثه المبتكرة في دنيا الطيران والسيارات ضاعت واندثرت من فرط الإهمال.
ومن حسن الحظ أن بقي ابتكاره الذي تصور فيه جهازاً يتم تركيبه في السيارة مؤلفاً من كوابح أقرب في نظره إلى «كلاّبات أو كماشات طبيب الأسنان» وتستند إلى قرص متكامل ومترابط بحيث يجذب السائق أداة رافعة فإذا بها تحرك فكي الكماشة فيدور القرص مسبباً وقف حركة المركبة. وبديهي أن الفكرة كانت بسيطة وأولية ولكن من خلال مؤسسة دنلوب في عام 1950 تم استخدام الطاقة الهيدروليكية من أجل تحريك القرص..
وبالمناسبة كان من رواد تلك المؤسسة جون بويد الذي لم يكن مهندساً ولا صناعياً بل كان طبيباً بيطرياً من اسكوتلندا يمارس جراحة الحيوانات عاش الرجل في منتصف القرن التاسع عشر وتوفي عام 1921 ويرجع إليه الفضل في فكرة ملء الإطارات (الدواليب) المطاطية بالهواء المنفوخ من أجل استخدامها في الدراجات والعربات اليدوية وما إليها.
أما كوابح القرص التي اخترعها صاحبنا لانكستر فقد أثبتت نجاحها إذ تفوقت على اسطوانات الكوابح خاصة من حيث مقاومة ارتفاع درجة الحرارة داخل الآلة المتحركة ولهذا اتسع نطاق استخدامها على مدى نصف قرن منذ أن نبعت فكرة لامعة في عقل صاحبها فردريك ويليام لانكستر الذي سجل براءة اختراعها في اليوم الأول من شهر ديسمبر من عام 1902. عاش لانكستر في مدينة لندن ثم وافته المنية في مدينة برمنجهام الصناعية عام 1946 عن 78 عاماً.
محمد الخولي

