تختلف دواوين الشعراء في درجة إيراد الأشعار في أولادهم وأحفادهم بين شاعر وآخر، وبين زمان وزمان. أما في العصور القديمة فإن الشعراء يذكرونهم في المواعظ والإرشاد وفي التأبين في حال الوفاة وقل ورود الأشعار في وصف حياة أولادهم وأحفادهم. ويصدق هذا على العصر الحديث فقد يخلو ديوان شاعر من أية إشارة إلى هؤلاء، ولا ندري هل أهمل الشاعر تلك القطع أم أنه لم ينظمها أصلاً؟
* دنيا ودين
للشاعر الأندلسي أبي مروان عبدالملك بن إدريس الجزيري قصيدة طويلة نظمها في سجنه، وبلغت أزيد من مئتي بيت. وهي قصيدة خاطب بها أسرته: الزوجة والأولاد، تشوّق فيها إليهم وهو في معتقله، وبثّهم ما يعاني منه في ذلك المكان، وقدم لهم مجموعة واسعة الطيف من النّصائح، والمواعظ، وما يتعلّق بذلك، ممّا يُصلح حالهم في دنياهم وينفعهم في أخراهم.
وناظم القصيدة كاتب أديب شاعر، ولم يكن عمل الكاتب في الأندلس في معزل عن السياسة، ومن هنا اكتوى بنارها، ودخل السّجن للحاكم الذي كان يخدم عنده، لأسباب يطول شرحها، وكان قد سجن مرّة وأطلق سراحه أيام محمد بن أبي عامر «الحاجب المنصور» وسجن في عهد ابنه الملقب المظفر، ثم قتل في السّجن سنة 394 هجرية.
وقد طالت القصيدة المذكورة، فإن الشاعر جعلها معرضاً لنصح أولاده وإرشادهم، وإظهار المحبّة لهم، والعطف عليهم، والإشفاق على غيابه عنهم، وجعلها أيضاً مجالاً للكلام في الآداب والأخلاق والسُّنن بصفة عامّة، ومن هنا اكتسبت شهرتَها ونقلت كتب الأدب والاختيارات الشّعرية، وسارت في المشرق والمغرب.
1 ــ اشتكى الشاعر من بعده عن الأَهل والولد، وقال «شحط المزار» أي صار المكان الذي يُزار «داره مثلاً» بعيداً، و«قصرت» أي مُنِع من الانتقال
شحط المزارُ فلا مزار ونافرتْ
عيني الهجودَ فلا خيالٌ يعتري
وقصرت عنهم فاقتصرت على جوى
لم يدع بالواني ولا بالمقصِر
فهو لا يزورهم على الحقيقة ولا يراهم في المنام لأن النوم جفاه.
وخاطب أولاده بأَسمائهم تنويهاً بهم، وشوقاً إليهم:
يا عابد الرحمن جُنّبْتَ الأسى
كم من أسىً لك في الجوانح مُضْمَرِ
أبلغ عبيد الله صنوك أنّني
لفراقه كالسّادر المُتَحيّرِ
ومحمداً لله درّ محمدٍ
زهر تفتّح غِبّ مُزْنٍ مُمْطِرِ
وصغيركم عبدالعزيز فإنني
أطوي لفرقته جوى لم يصغر
ذاك المقدّم في الفؤاد وإن غدا
كفواً لكم في المنتمي والعُنْصُرِ
فذكر من أبنائه: عبدالرحمن، وعبدالله، ومحمداً، وعبدالعزيز، وتوقف عند الصغير عبدالعزيز، لأن مثله،
في المعتاد يُعْطى حظّاً إضافياً، ولهذا قال الشاعر بعد ذلك مباشرة «وهو يتحدّث عن عبدالعزيز»:
إنّ البنانَ الخَمْسَ أكفاءٌ معاً
والحليُ دونَ جميعها للخِنْصَرِ
وإذا الفتى فقد الشباب سما له
حبّ البنين، ولا كحبّ الأصغرِ
فالصغير كإخوته، هذا صحيح، ولكنه يميز عن إخوته بشيءٍ إضافيّ
كما يتميز الخنصر عن سائر الأصابع بوضع خاتم الزينة فيه.
وذكر لابنه الذي يخاطبه حاله وحال أخ له كبير سجن معه، وسأله أن يصبر إذا أصابه في سجنه مكروه.
وأخافُ فاجئة المَنُون فإنْ تكن
فاقْن العَزاء فدتك نفسي واصْبِر
ودخل الوعظ والإرشاد:
فعليك تقوى الله فالزمها تفز
وحدوده حافظ عليها تؤجرِ
وصراطه فاتْبَعْ مناهج سُبْلهِ
وستوره فاشدُدْ عراها تُسْتَرِ
واعمل بطاعته تنلْ منه الرضا
والقرب في دار السلام وتُحْبَرِ
واجعل إمامكَ وَحْيَهُ الهادي وخُذْ
مِن علم محكمه بحظٍ أَوْفَرِ
والتفت إلى العلم، وطلبه، والالتحاق بأهله، والأخذ عنهم، ونصحهم بالعمل بما يعلمون:
واعلم بأن العلم أرفع رتبة
وأجَلّ مكتسب وأَسْنى مَفْخَرِ
تسمو إلى ذي العلم أبصارُ الورى
وتَغُصّ عن ذي الجهل لا بل تَزْدرِي
والعلم ليس بنافعٍ أربابه
ما لم يُفِدْ عملاً وحُسْنَ تبصُّرِ
واجعل لوجه الله سعيك خالصاً
يزخر لك الحظ الجزيل ويثمِر
وفي نصائحه لولده، وهو يخاطبه ليكون رسوله إليهم:
ثم اقْضِ حق الوالدين وقم بما
فرضَ الكتاب عليك منه وابْدُر
واخفض جناحك رحمة لكليهما
تمهد لنفسك إن فعلت وتذخر
وهكذا جمع بين النصائح الاجتماعيّة العامة، والإرشاد باتباع طريق العلم الذي لابّد منه لجيل بعد جيل.
أ.د محمد رضوان الداية

