درج البعض في الدول الغربية على النظر إلى وضعية المرأة في المجتمع الإسلامي من منظور خاطئ يعجز عن إدراك الحقيقة الواضحة، وهي أن الإسلام منذ أن أشرق نوره على الدنيا في القرن السادس الميلادي اعتمد قيمة أساسية في سلم قيمه، وهي قيمة العدل، ومن هنا فقد أعطى المرأة حقوقاً لم تكن النساء تحلم بها في العديد من أرجاء الأرض، وفي مقدمتها الحق في العمل والتعلم والوراثة والملكية والزواج بمن ترضاه والتقدير والاحترام.
وربما كانت تلك النظرة تستمد مبرراتها، إذا جاز أصلاً أن تكون مبررة، من أن بعض الجماعات الإسلامية لها تصورات تميل إلى تقييد أدوار الأفراد بحسب النوع، وهي تنسب هذه التصورات إلى الإسلام بالمخالفة إلى الصحيح والشرعي من القواعد الإسلامية.ومن هذه التصورات المقيدة أن المرأة ليست بحاجة إلى أن يكون لها دخل أو مال خاص بها مستقل عن الرجل طالما أن من يقومون عليها من أهلها وأقاربها يتكفلون بنفقتها.ومنها أيضاً أنه ليس هناك ما يدعو المرأة إلى الانخراط في الأمور العامة، من منطلق أن مكانها هو بيتها، وأن عليها أن تلزم هذا المكان ولا تبرحه.وغني عن البيان أن هذه التصورات تخالف ما شهده التيار الرئيسي للحياة في الغالبية الكاسحة من بلاد العالم الإسلامي، التي تشهد انتشار ظاهرة سيدات الأعمال، كما وصلت المرأة إلى أبرز المناصب كما هي الحال في باكستان وبنغلاديش وتركيا واندونيسيا.
جمعيتان نسائيتان
في السنوات الأخيرة برزت ظاهرة مهمة، هي عودة الكثير من المسلمات إلى الإسلام للاستناد إلى أصوله في المطالبة بالحقوق التي يعتقدن أنها قد سلبت منهن بالمخالفة لهذه الأصول، ولم يتردد تيار منهن في استخدام اصطلاح «النسوية الإسلامية»، وإن كان هذا الاصطلاح نفسه قد لقي اعتراضاً واحجاماً عن استخدامه من قبل نساء كثيرات.
أياً كان الأمر فنحن بإزاء تيار قوي يطالب بحقوق المرأة في إطار من التقاليد والأعراف الدينية، ويستند في هذا الصدد إلى القرآن والسنة، ويشدد على أن إنكار حقوق النساء ليس مصدره الإسلام بحال، وإنما هو يرجع إلى الممارسات الثقافية المحلية في بعض أرجاء العالم الإسلامي.
ويذهب المنخرطون في هذا التيار إلى القول إن الإسلام اكتفى بالدعوة إلى الاحتشام، لكنه لم يحدد على وجه الدقة زياً أو أزياء بعينها ينبغي أن ترتديها المرأة، وإنما ما يطرح في هذا الصدد مرتبط بعادات وأعراف بعضها سابق على قدوم الإسلام وجاء من عادات دول لم تكن إسلامية أصلاً.أياً كان أمر هذا الجدل، فإن بريطانيا شهدت بروز جمعيتين تعدان من أقدم المنظمات التي شكلها المسلمون، وهما «خط مساعدة المسلمات» و«جمعية النساء».
تتسم «جمعية النساء» بأنها تجمع بين القيام بالحملات العامة المختلفة وبين تقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية لعائلات المسلمين في لندن. وقد كانت من أولى المنظمات التي أبرزت منذ منتصف الثمانينات الحقيقة القائلة إن معظم مسلمي بريطانيا يعيشون في فقر.
وإن التلاميذ المسلمين يعانون من محدودية الانجاز في المدارس، وبالتالي دعت الجمعية وزارات الصحة والتعليم والإسكان والخدمات الاجتماعية إلى توظيف المعتقد الديني كحليف في الجهود المبذولة لتحسين مستويات الجماعات الإسلامية التي تنظر إلى الهوية الدينية باعتبارها أكثر أهمية من أي شيء آخر.
بالمقابل، فإن جمعية «خط مساعدة المسلمات» ليست جمعية تقوم بالحملات المتعلقة بالقضايا العامة، وإنما هي تقدم الدعم عبر الخطوط الهاتفية، على امتداد بريطانيا بأسرها، والخدمات الاستشارية والإحالة إلى الاختصاصيين للنساء اللواتي يواجهن أزمات محددة.
وهاتان الجمعيتان ليستا بالغريبتين على نظام الجمعيات الخيرية المعمول به في بريطانيا بشكل عام، ولكنهما في سياق أنشطة الجماعات الإسلامية البريطانية، فإنهما مؤسستان رائدتان، فقد تأسستا في منتصف الثمانينات، وجاءت كاستجابة لاحتياج عملي شديد من جانب عائلات المسلمين الذين يعانون من المشكلات والمتاعب ويحتاجون إلى من يقف بجانبهم على وجه السرعة.
وشملت العناصر الأكثر احتياجاً للعون النساء والصغار الذين ربما يتعرضون إلى سلب حقوقهم أو يواجهون العنف والاعتداء عليهم ولا يجدون أماكن يتجهون إليها طلباً للعون داخل الجماعات الإسلامية نفسها.
رسائل صعبة
في الثمانينات من القرن العشرين لم تكن أمور من قبيل انهيار الأسر أو العنف الأسري بالرسائل التي يمكن تمريرها في صفوف الجماعات الإسلامية في بريطانيا، حيث كانت القيادات من الرجال غالباً في معظم تنظيمات هذه الجماعات وبالتالي انصب اهتمامها على الحملات من أجل حقوق المسلمين في الخارج وأبدت اهتماماً أقل بأوضاع العائلات والمشكلات الداخلية. وفي ذلك الوقت كان هناك أيضاً تراخ في الدعم والتأييد من جانب إدارات المساجد والدوائر الحكومية وجماعات حقوق النساء المستقرة لهذه الجوانب.
وكانت جماعات حقوق النساء المستقرة في بريطانيا بشكل خاص تعترض بقوة على فكرة الدعوة لحقوق المرأة من خلال المفاهيم الدينية وكذلك من خلال بني العائلة المسلمة، ونظرت إلى هذا الجانب باعتباره لا يتفق مع مفاهيمها الخاصة بحقوق المرأة.
وعلى الرغم من أن الجمعيتين خرجتا من عباءة الظروف نفسها، إلا أنهما مختلفتان، سواء في الحلول التي تسعيان لتقديمها للنساء والعائلات أو في موقفيهما من قيادات الجماعات الإسلامية في بريطانيا.وعلى سبيل المثال، فإن جمعية «خط مساعدة المسلمات» تسعى إلى العمل بالاشتراك مع مؤسسات الجماعات الإسلامية في بريطانيا مثل أعضاء المجلس الإسلامي البريطاني الذي تعتبر الجمعية تابعة له.
بالمقابل فإن «جمعية» النساء قد اختارت التحرك خارج إطار المجلس الإسلامي البريطاني، حيث تتبنى موقفا انتقاديا من المجلس والعديد من المؤسسات التابعة له، ويرجع ذلك في أحد جوانبه إلى أن قلة من أعضاء المجلس الإسلامي البريطاني هم الذين يحرصون على إشراك النساء في عملية صنع القرار في المجلس والمنظمات التابعة له.
وهناك العديد من المنظمات التي تدعم المرأة المسلمة على امتداد بريطانيا والتي تتحرك على نطاق محلي أو إقليمي لتلبية احتياجات بعينها، وكذلك العديد من الجماعات الاجتماعية والمعنية بقضايا الرفاه مثل جمعيات النساء المغربيات والباكستانيات.وفي بريطانيا أيضاً هناك نساء يتجهن إلى خارج الجماعات المندرجة في إطار الانتماء الديني بحثاً عن حقوق المرأة ودور العائلة الإيجابي، ولكنهن يقمن بذلك غالباً في إطار خطاب علماني بشكل أساسي.
الحجاب والقضاء
احتدم النقاش، ولا يزال في العديد من الدوائر في بريطانيا حول ما إذا كان الحجاب والنقاب يشكلان متطلباً دينياً ضروريا لابد من تلبيته والاستجابة له. ويستند الخلاف إلى تفسيرات بعينها في فهم آيات من القرآن الكريم.وعلى الرغم من أن هذا النقاش لم يحسم في بريطانيا، كما لم يحسم في دول أخرى عديدة، إلا أن مشهد النساء المحجبات والمتنقبات هو مشهد مألوف في الحياة البريطانية.
غير أنه في بعض الحالات تحول إلى محور لما هو أكثر من الجدل. كما حدث على سبيل المثال في عام 1989 عندما أصرت إدارة مدرسة الترنشهام في مانشستر على عدم قبول الطالبتين المسلمتين فاطمة وعائشة علي في صفوفهما لمواصلة تعليمهما الذي كانتا تتلقيانه في المدرسة ما لم تنزعا حجابهما. وعمدت الإدارة لاحقاً إلى طردهما، غير أنها ما لبثت أن تراجعت عن قرارها وعادت الطالبتان إلى الدراسة وهما محتفظتان بحجابهما.
ولم تكن شعبانة بيجوم على القدر نفسه من الحظ، حيث أصرت مدرسة دينباي الثانوية في لوتون على طردها ما لم تنزع حجابها، فعمدت عائلتها إلى رفع الأمر إلى القضاء، وثار جدل محتدم لأن المدرسة تضم عدداً كبيراً من الطالبات المسلمات وبين هيئة التدريس لها مدرس مسلم، فضلاً عن أن المدرسة لها سياسة مرنة فيما يتعلق بالزي، بما في ذلك قبول ارتداء السراويل والـ «شلوار قميص» الذي يرتديه الكثير من المسلمين.
لم يكن من العجب إذن أن تشهد بريطانيا في عام 2003 تشكيل جماعة نسائية تستهدف إقرار حق النساء في كل أرجاء العالم في ارتداء الحجاب. وهذه الجماعة تدعى جماعة حماية الحجاب، وهي تؤكد أن الحكومات ليس لها الحق في التدخل فيما هو التزام ديني فيما يتعلق بالزي النسائي. وهي تركز في عملها بشكل خاص على نشاطها في فرنسا وألمانيا وهولندا وتركيا.
كامل يوسف حسين

