في زماننا، يولد الطفل العربي وينشأ، فيتحدث اللغة العربية، وبها يتلقى تعليمه، ويطالع الصحف، ويسمع أجهزة الإعلام، ويقضي حاجاته ويصرف شؤونه في الدواوين، وهذه ـــ ورغم بعض القصور والانحراف هنا وهناك ـــ حقيقة بديهية، وظاهرة طبيعية كلون بشرتنا وملامح وجوهنا.

وفي زماننا، وعلى امتداد السهول والصحاري من المحيط إلى الخليج، نشعر ونفكر، ونفرح ونتألم، ونعمل ونحلم، كأفراد جماعات في أمة عربية تجمعها عرى وثقى من وحدة اللغة والفكر والوجدان، ومن وحدة التاريخ والمصالح والتحديات والآمال. وهذه أيضاً ــ ورغم بعض الجدل هنا وهناك ـــ حقيقة بديهية، وظاهرة طبيعية كلون بشرتنا وملامح وجوهنا.وفي زماننا، تجري على ألسنتنا وأقلامنا وأوراقنا كلمات: الحرية والديمقراطية والعدل، والاستعباد والاستبداد والطغيان، دون حرج أو تحفظ، أو خوف أو استخفاء وهذه كذلك ــــ ورغم بعض التحفظ هنا وهناك ـــ حقيقة بديهية، وظاهرة طبيعية كلون بشرتنا وملامح وجوهنا.مع ذلك، فإن هذه الحقائق البديهية والظواهر الطبيعية، كانت قبل قرن واحد من الزمان، من أشد المحرمات، ومن أخطر المحظورات، ومن أنكر المقولات.فكيف تم هذا التغير وهذا التحول؟ ومن كان له شرف البداية وجسارة الإقدام؟

لقد كانت البداية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، على أيدي صفوة من أبناء الأمة البررة والرواد العظام، الذين حملوا في قلوبهم وعقولهم وعلى أكتافهم أعباء رسالة تاريخية جليلة، هي رسالة التنوير والنهضة والجهاد ضد الظلام، والفرقة والاستبداد، وبذلوا جهدهم وحياتهم حتى النفس الأخير.

قبل ذلك وبعده كانت نظرتهم وبصيرتهم، رحيبة، لم تعترف بالحدود المصطنعة، وإنما كانوا رجالا، زعماء ومفكرين وأدباء بلا حدود.. وكان في الطليعة منهم: عبدالرحمن الكواكبي.في عام 1854 ولد عبدالرحمن الكواكبي في مدينة حلب بسوريا، في بيت علم، وأسرة شريفة تنتسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه.

وفي السادسة من عمره توفيت والدته، فانتقل إلى بيت خالته بأنطاكية وفي أنطاكية، ثم في حلب في رحاب مدرسة العائلة «الكواكبية» تعلم وأجاد علوم اللغة العربية والعلوم الشرعية، واتقن اللغتين التركية والفارسية، اضافة الى اهتمامه بالعلوم الرياضية والطبيعية، كما ظهر شغفه بالاطلاع ودراسة ظواهر المجتمع وأحوال البلاد، وهو شغف كان يملأ قلبه حسرة وألما، لما تعانيه الامة من تخلف واستغلال، وما تكابده من قهر وكبت للحريات واستبداد في أغلال الدولة العثمانية وولاتها الأتراك.

وفي نحو الثانية والعشرين من عمره، عمل كاتبا ومترجما في «الفرات» وهي الجريدة الرسمية في حلب. وبعد خمس سنوات تركها ليصدر جريدته «الشهباء» لتكون أول جريدة عربية هناك، لكن السلطة التركية اغلقتها بعد ان صدر منها خمسة عشر عددا فقط.

وفي عام 1879 اصدر جريدته «الاعتدال» فأغلقها الاتراك ايضا. وبعد فترة عمل في الإدارة المدنية بولاية حلب، استقال وتفرغ لمهمة كتابة شكاوى الناس وظلاماتهم، كوسيلة للدفاع عن حقوقهم وحريتهم، فاستثار بذلك السلطة، فدبرت له تهمة الاشتراك في محاولة اغتيال الوالي العثماني وسجنته ولكنها اضطرت للافراج عنه تحت ضغط الجماهير. ثم سجنته مرة اخرى بتهمة التآمر ضد السلطان، بل حكمت عليه بالاعدام، ولكن محكمة بيروت برأته ونتيجة لملاحقة السلطة قرر الكواكبي الهجرة الى مصر، ملاذ احرار العرب آنذاك.

وصل عبدالرحمن الكواكبي الى القاهرة عام 1899 وكانت وقتها تزدان بنجوم الفكر والادب والصحافة ودعاة الاصلاح والنهضة من مصر ومختلف الاقطار العربية، مثل محمد رشيد رضا، وعبدالحميد الزهراوي، ومحمد كرد علي، والشيخ طاهر الجزائري.كانت بحراً يموج بتيارات الفكر، وكانت ساحة تزخر بمنابر الرأي الحر التي سرعان ما كانت تسري أصداؤها وتتردد في أنحاء الوطن العربي الكبير والعالم الإسلامي الفسيح.

وجد الكواكبي في القاهرة الحضن الحاني له ولثمار فكره فكان من مشجعيه شيخ الصحافة الإسلامية الشيخ علي يوسف صاحب جريدة «المؤيد» الذي فسح صفحاتها الأولى لفصول كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، الذي كان كما قال الكواكبي: «كلمة حق وصيحة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح لقد تذهب غدا بالأوتاد، محررها الرحالة كاف».

كان هذا الكتاب من أوائل الصيحات العربية وأجرئها في العصر الحديث، لتنبيه الحكام والرؤساء إلى واجباتهم قبل الرعية، ولتنبيه المحكومين الى حقهم في الحياة الحرة الكريمة، تحت ظلال حكم عادل صالح لا طغيان فيه ولا فساد.كان كشفا صريحا نافذ البصيرة لأحوال العالم الإسلامي والعربي، وتشريحا جريئا للعلاقة المعقدة بين الحاكم والمحكومين، ومن بينهما من أعوان، وجاء في مقدمة وتسعة فصول.

في المقدمة أوضح الكواكبي أنه شغلته مسألة انحطاط الشرق عموما والمسلمين على وجه الخصوص، فأخذ يبحث عن داء الشرق وعلاجه، حتى تأكد له واستقر عنده أن أصل الداء هو الاستبداد السياسي، وتأكد له أن دفع الداء وعلاجه يكون بالشورى الدستورية. ثم قال: «أردت بذلك تنبيه الغافلين لمورد الداء الدفين، عسى يعرف الشرقيون أنهم هم المتسببون لما هم فيه، فلا يعتبون على الأغيار، ولا على الأقدار. وعسى الذين فيهم بقية رمق من الحياة يستدركون شأنهم قبل الممات».

وفي الفصل الأول من الكتاب، يعرف الرحالة كاف، أو المفكر والكاتب الأديب بلا حدود عبدالرحمن الكواكبي، بالاستبداد لغويا وسياسيا، وجاء في تعريفه: «الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء، بلا خشية حساب ولا عقاب محققين، إما لكونها غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة أو على أمثلة أو على إرادة إلهية، أو لكونها مقيدة بنوع من ذلك، ولكنها تملك بنفوذها إبطال قوة القيد».

ثم تتوالى فصول الكتاب: الاستبداد والدين، الاستبداد والعلم، الاستبداد والمجد، الاستبداد والمال، الاستبداد والأخلاق، الاستبداد والتربية، الاستبداد والترقي، الاستبداد والتخلص منه.

وفي كل فصل من تلك الفصول التسعة، قدح الكواكبي زناد فكره وذكاؤه وثقافته وخبرته وبخاصة في وطنه، وسجل أفكارا لا تزال حية تنطبق على أحوال المسلمين في كثير من بقاع عالمنا، رغم مرور قرن كامل وسبعة أعوام على نشرها أول مرة في القاهرة.

في العام نفسه 1900 أصدر الكواكبي كتابه الثاني العظيم «أم القرى»، الذي يعده معظم المفكرين أهم أعماله. وقد تجلت فيه قدراته ومواهبه ككاتب وأديب، فقد ابتدع شكلا فنيا جديدا وشائقا لعرض أفكاره، حيث تخيل فيه أعضاء جمعية يعقدون مؤتمرا لهم في مكة المكرمة، قبلة العالم الإسلامي.

كانوا ثلاثة وعشرين مفكرا ومصلحا، يمثلون أمم الإسلام بكل مذاهبها وطوائفها واتجاهاتها وأحوالها، وراحوا يتحاورون ويبحثون في أحوال المسلمين، وشؤون الدين والحياة، ليخلصوا إلى الرأي الذي يولده تفاعل الآراء والخبرات، وصولاً إلى تشخيص الداء، ومعرفة الدواء.

عقد المندوبون اثنى عشر اجتماعاً، غير اجتماع الوداع. وقد أعطى الكواكبي لكل عالم اسماً رمزياً، واتخذ لنفسه اسم «السيد الفراتي»، وأجرى على لسان آرائه، ومن ذلك ـــ مثلاً ـــ رأيه في أسباب الفتور في المسلمين، وقال: «إن من أعظم أسباب الفتور في المسلمين غرارتهم، أي غفلتهم وعدم معرفتهم كيف يحصل انتظام المعيشة. فمن الغرارة في طبقاتنا كافة، من الملوك إلى الصعاليك، أننا لا نرى ضرورة للاتقان في الأمور. وقاعدتنا أن بعض الشيء يغني عن كله»..

كان كتاب «أم القرى» كنزاً من الأفكار والمعلومات عن أحوال المسلمين في العالم، ومشاكلهم، والتحديات التي تعوق نهضتهم. كما كان إبداعاً أدبياً رائعاً في أسلوبه الحواري الذي تنبثق منه الحلول. وقد بلغ تقدير الأوساط الفكرية في مصر له أن قرر الشيخ محمد رشيد رضا إعادة نشر فصوله على صفحات مجلته الشهيرة «المنار»، ذات المكانة والتأثير في كل أنحاء العالم الإسلامي.

في عام 1901، شد الرحالة «كاف»، أو الأديب بلا حدود عبدالرحمن الكواكبي رحاله في رحلة طويلة، زار خلالها إفريقيا الشرقية والجنوبية، والحبشة، وسلطنة هرر، والصومال، وشبه الجزيرة العربية، وسواحل آسيا الجنوبية، الهند وجاوة والسواحل الجنوبية والسواحل الجنوبية للصين. وكان هدفه من تلك الرحلة التي استغرقت ستة أشهر، استكمال معرفته بمواطن العرب والمسلمين: أرضاً واقتصاداً وعقيدة وثقافة.

وقد أودع الكواكبي حصيلة هذه الرحلة أوراقاً أعدها لتكون أصولاً لكتابين جديدين بعنوان: «صحائف قريش»، و«العظمة لله». لكن لم يقدر للكتابين أن يريا النور، كما لم يقدر لصاحبهما أن يحقق ما كان يزمع القيام به من رحلات أخرى إلى بلاد المغرب العربي، ليستوفي الرؤية الفاحصة للوطن الكبير الذي عاش يفكر ويناضل ويتنقل ـــ بلا حدود ـــ في سبيل تحريره ونهضته وتوحيده.

في مساء الخميس الرابع عشر من يونيو سنة 1902، تمكن عملاء السلطان العثماني من دس السم له في فنجان قهوة، فقضى نحبه، كما تمكنوا من نهب أوراقه الخاصة وفيها أصول كتابيه المهيمن.

وأودع المفكر الرحالة الأديب بلا حدود عبدالرحمن الكواكبي ثرى مصر، وعلى شاهد قبره كتب بيتان من الشعر قالهما شاعر النيل حافظ إبراهيم، يقولان:

هنا رجل الدنيا، هنا مهبط التقى

هنا خير مظلوم، هنا خير كاتب

قفوا واقرأوا أم الكتاب، وسلموا

عليه، فهذا القبر قبر الكواكبي.

عبد الوهاب قتاية