هل لك أن تتخيل أو تتوقع أنه وفي هذا العصر المتسارع غلاءً وتعقيداً وتخصصاً، أن تجد مكاناً يجمع بين المقهى والمطعم والمجلس الشعبي، يحكي أروع القصص والمواقف، ويسجل أجمل لحظات المتعة المتجددة، في أجواء رومانسية وبوتيرة عالية من الخصوصية والإتقان، ويتخذ في شكله التقليدي الفريد من نوعه أنسب المواقع على بحيرة الشارقة.
وتزخر أركانه بزبائن مختلفة الأجناس والأعمار، مع توفير ركن خاص للعائلات، وكل تلك الامتيازات متوفرة في ذلك الركن الأوحد على مستوى الإمارات، والممتد على مساحة تقدر بنحو ألف متر مربع، فهي لا تلغي الأسعار الرمزية للمنتجات الشعبية المقدمة والتي تبدأ من الشاي والقهوة وحتى المأكولات والمشاوي الشعبية، أما أسعارها فتتحدد بين درهمين و15 درهماً كأقصى مبلغ يمكن أن يدفعه الزبون.ذلك المكان يدعى القهوة الشعبية في الشارقة، التي يزيد عمرها على السبعين عاماً، فهي أول مقهى شعبي على مستوى الإمارة، كما أنها حاضرة منذ العام 1937 وكان موقعها في سوق «العرصة» القديم على شاطئ البحر، ذلك المكان الذي ظل لسنوات ملتقى للتجار من مختلف دول العالم،.
وقد بدأت تلك القهوة الشعبية بمبادرة عائلية، ولا تزال تحت إدارة وإشراف الحاج عبدالعزيز محمد جاسم الذي يتجاوز عمره الثمانين عاماً، والذي كان وقت إنشائها شاباً صغيراً عايش لحظات البداية على بساطتها مع أبيه وعمه وجده، الذين اهتموا بأدق تفاصيل ذلك المكان المتواضع في سوق العرصة، وكان اسمه حينها «قهوة سارباز».ومثلما حظيت قهوة سارباز بموقع شعبي متميز حظيت كذلك بمكانة مرموقة ورفيعة في نفوس من اعتادوا البقاء فيها لأطول وقت ممكن، ففي سوق العرصة كان يجتمع سكان مدينة الشارقة قديماً، مثلما ظل يلتقي ويستريح فيها التجار الأجانب.
وبالتالي ظلت القهوة في ذلك الوقت المكان الأنسب للجميع، فهي كانت المكان الذي يوفر المبيت للزوار والتجار، قبل أن يوفر لهم المأكولات والمشروبات الشعبية التقليدية الشهية، والتي لا تزال العنوان الوحيد في القهوة الشعبية 2007 الموجودة على بحيرة الشارقة.في فترة الخمسينات انتقلت تلك القهوة إلى السوق القديم في الشارقة، وواصلت نهجها التراثي القديم هناك أيضاً، وإليها أيضاً انتقل الزبائن التقليديون بحثاً عن متعة قديمة متجددة لا يجدونها في مكان سوى قهوة سارباز الشعبية، وبعد ذلك الوقت أغلقت لفترة من الزمن، حتى أعيد افتتاحها في العام 1982 على بحيرة الشارقة. وتم التواصل مع الحاج عبدالعزيز محمد ليتولى إدارة وتسيير أعمالها من قبل بلدية الشارقة، حيث تم تعيين مالكها قديماً على ملاك بلدية الشارقة ليتولى أمر القهوة الشعبية القديمة، وذلك بحكم درايته بخصوصية ذلك المكان وأهميته التراثية التي تعود لسبعة عقود من الزمن.
عبدالعزيز محمد الذي يتولى وبمساعدة أبنائه إدارة تلك القهوة، بأعلى المواصفات التراثية أكد أن الأكلات والمشروبات الشعبية التي كانت تقدم قبل 70 عاماً لا تزال تقدم للزبائن على اختلاف أعمارهم وجنسياتهم، مشيراً إلى أن القهوة الشعبية في الشارقة هي المكان الوحيد على مستوى الدولة الذي يوفر مأكولات ومشروبات شعبية تراثية وبأسعار رمزية، إذ أن الهدف منها ليس ربحياً أو تجارياً بقدر ما هو محافظة على التراث وعلى اسم وعنوان عايشه الأجداد لسنوات طويلة.
وقال إن القهوة الشعبية ومنذ انتقالها لتتخذ من بحيرة الشارقة موقعاً لها شيدت على شكل «عريش»، حتى خصص لها مبنى تراثي تقليدي بكل ما فيه قبل ثلاثة أعوام، وقد حظي تصميم مبناها الحالي بشكله التراثي المميز باهتمام مبالغ وإشراف ومتابعة مباشرة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، إذ يتبع ذلك المبنى حالياً لهيئة التراث في إمارة الشارقة.
وفي المبنى الحالي استخدمت نفس مواد البناء التقليدية التي كانت تستخدم في البيوت القديمة سابقاً، وهي الحجر على الطراز القديم وبدون أعمدة، إضافة إلى وجود كراسي وطاولات تراثية تلائم المكان والهدف من وجوده، أما الزبائن بحسب ما أوضح الحاج عبدالعزيز فقد اختلفوا نسبياً منذ العام 1937 وحتى اللحظة، وإن كان «الشواب» والشباب المواطنون يجدون في القهوة الشعبية ملاذاً يومياً بمتعة لا تقل حجماً عما كانت لدى آبائهم وأجداهم قبل سبعين عاماً.
وأضاف صاحب المقهى القديم أن القهوة الشعبية على بحيرة الشارقة لا تزال تحتضن زبائن ومجموعات من المواطنين والوافدين العرب ومن مختلف الأعمار، فهو المكان الذي يلتقي فيه الجميع ويوفر لهم أشهى المأكولات والمشروبات الشعبية بأقل وأنسب الأسعار.
ولا يتردد القائمون على المقهى في مداينة زبائنهم إن صادفهم أحد لا يملك فلوساً، وهو تقليد كان معمولا به في الماضي، إذ يفضل أصحاب المقهى عدم الاستغناء عن أي ركن أو سلوك يحفظ للمكان تراثه وخصوصيته المختلفة عن الأماكن العصرية الشبيهة المنتشرة في كل بقاع الدولة.
سبعون عاماً مضت حفظت للمكان الكثير من الخصوصية التراثية ومن ألوان القدم المعهودة، لكنها حتماً لم تتمكن من المحافظة على كل شيء كان موجوداً ضمن أركان مقهى سارباز قديماً (القهوة الشعبية) حديثاً، فكما يقول صاحب المقهى فإن كل شيء فيه تراثي أصيل إلا التلفاز ذو الشاشة الكبيرة، والعمال الأجانب البالغ عددهم 12 عاملاً.
وهم القائمون على إعداد المأكولات والمشروبات الشعبية، وإن كان للحاج عبدالعزيز لمسة إشرافية يومية عليها، وإن لم يحالفه القدر المجيء إلى مقهاه في أحد الأيام لا يمكن له الاستغناء عن تذوق وتفحص كل ما يطبخ في المقهى، وهو جالس في بيته للمحافظة على جودة الماضي فيما يقدم للزبائن.
عنان كتانة


