منذ عشرات السنين رست الكثير من سفن البحارة على سواحل مشيخات الساحل المهادن كما كان يطلق على دولة الإمارات من قبل، وزارها العديد من الرحالة الأجانب على اختلاف مشاربهم ومقاصدهم وأهدافهم التي قدموا من أجلها إلى هذه البلاد، ودونوا مذكراتهم، وتركوا انطباعاتهم ورحلوا، ومنهم من جاب السواحل، ومنهم من توغل في أعماق الصحراء، السطور التالية تحمل بعضاً من آثار تلك الرحلات.
في معظم صفحات الكتاب الذي دون فيه الرحالة البريطاني برترام توماس بعنوان مخاطر الاستكشاف في الجزيرة العربية، نجد وصفا لتلك العلاقة الوطيدة والشخصية بين المؤلف وسلطان البلاد، وتدوين ليوميات الرحلة، ووصف للمناظر الطبيعية التي يمر بها الموكب.ومظاهر الاحتفالات والولاء التي يبديها البدو من خلال الزغاريد التي تأتي مع موكب للجمال جاء للتحية، وبعد صلاة العشاء «الجلوس للاستماع إلى الشعراء الذين كانوا يلقون القصائد» وعادة ما كانت «المدافع تطلق تحياتها» عند اقتراب الموكب من الحصون والقلاع، ومنظر «اصطفاف مجموعات من الشيوخ والشخصيات البارزة للتحية» يتكرر بين فقرة وأخرى.وربما المخاطر التي عناها المؤلف يمكن ان نستخلصها من هذه الحداثة التي حدثت له عندما خطط للقيام برحلة بالجمال عبر شبه الجزيرة، وربما كانت تلك التحركات مجرد «تمرينات» لرحلته التي اجتاز فيها رمال الربع الخالي بمساعدة بدو المنطقة في ما بعد: «قادتني مطيتي إلى ما وراء عمان، حيث هذا المنظر البهيج الذي نراه.
كما قادتني إلى قوافل أصدقائي القدامى، رجال بني كعب والمقابيل، الذين يتركون الشاطئ الآن متجهين إلى حدائق النخيل في صحار. وصحبني قائد السفينة هـ.م.س. لويان من مسقط إلى حيث تمنى لي حظا سعيدا، ثم ودعني قبل ان ينطلق إلى البحر. وفي الطريق أمامنا رأينا آثار برسي كوكس، وصمويل زويمر، مما يشهد على ان الرجل الأبيض قد قام برحلات إلى هنا من قبل».وجاءني شيخ عجوز يحمل رسالة، وامسكني من ذراعي ثم قال لي: «اقرأ هذه» وتقول الرسالة: «بعد السلام ورحمة الله وبركاته، لقد عاد أخي لتوه وأبلغني بالمعاملة الحسنة التي لقيها عندكم، وإنني آمل أنكم لن تضروا المسلمين، وإنما ستعملون ما يرضي الله ويرضيهم. ومن المحتمل ان يأتيكم بعض النصارى يطلبون ان تقوموا لهم ببعض الأعمال التي قد يكون لها عواقب وخيمة عليكم وعلينا. ولا بد من رفض أي عميل، حفاظا على كرامة العرب، وآمل ألا يخدعنكم متاع الدنيا لأنها فانية. وهناك قول عربي مأثور هو: النار ولا العار».
ويبدو أن هذه الرسالة التحذيرية هي التي أثارت مخاوفه هو شخصيا، وأحس بأنه ومهما كان موقعه ومركزه السياسي فهو يبقى شخصا غير مرغوب فيه، لذلك نراه يعلق على ما قرأه بالقول: «لقد قرأت الرسالة، ثم أعدتها إلى الشيخ، وقد أدخلت الرسالة الحزن إلى قلبي. حيث أني كنت اعتقد ان الطريق إلى الداخل سيكون مفروشا بالزهور، فالكرم العربي يضرب به المثل في الحقيقة، ولكن ليس في هذه المنطقة النائية من شبه الجزيرة العربية». أي انه عد إنسان هذه المناطق متوحشا، لا يرحب بالغريب، وبعيد عن المدنية والتحضر.
ويعزو سبب ذلك إلى أن: «الإنسان يخاف هنا، وهو يرتعب ويشعر بالخطر كذلك، والبدوي الذي يفاجأ بوصول الأجنبي الغريب يعتبر ذلك بشرى غير سعيدة»، ولم يذكر بالطبع بأن هذا البدوي البسيط لا يثق به ولا بأمثاله، لأنه لا يتوقع منه الخير أو على الأقل لا يتوقع منه ان ينظر اليه نظرة منصفة نوعا ما أو يفيده بشيء لذلك يطلق تحذيره الواضح لكل من يفكر في الغرب من الوصول إلى هذه المناطق: «على المسافر هنا ان يكون مستعدا لكل طارئ».
اننا نشم هنا من أسلوب توماس، وبعده ثيسجر، رائحة منبعثة من «عرقية أوروبية كاثوليكية Europeocentrisme « طالما ميزت كتابات الأكثرية الساحقة من الرحالة الغربيين الأوائل، رحالة القرن السادس عشر، الذين يمكن وصفهم بنوع من الصليبيين المتأخرين، الذين كانوا يسافرون ضمن «عالم مغلق» في زمن كانت فيه الإمبراطورية العثمانية تدق أبواب أوروبا الكاثوليكية.«ويعتبر الجبل واحدا من تلك القرى التي قد أدهشتها مجيئنا، وطالب شيوخها بمقابلة معنا في الحال.
ولكن الوقت كان متأخرا، وكنت متعبا للغاية، وكان لي معهم حديث في الصباح، حيث وصلت تعليمات للجبل من شيخ النعيم في البريمي لمنعي، وكان القرويون طيبين معي، ولم أكن انوي البقاء هنا، فعند طلوع الفجر خرجت إلى الوادي الرئيسي، إلى وادي عبيلة، حيث اضطررت إلى أسابيع كاملة أن أقيم على ابواب عمان قبل ان يدخلها».
ثم يعود إلى مقارنة صفات «الفرد الأوروبي» بهؤلاء القبليين المتوحشين الذين ينزل بينهم ضيفا على سلطان البلاد معززا مكرما، ومع ذلك نراه يتحدث عن فوضوية هذا البدوي المتوحش وعبادته لمظاهر القوة: «وإذا كان الفرد الأوروبي يعتقد ان الحكومة أمر لا بد منه، فإن ذلك يبرر إلى حد ما لرجل القبيلة ان ينتفض على السلطة، فالقبلي لا يكن احتراما فطريا للنظام والقانون وإنما العكس هو الصحيح، كما ان العدالة والمساواة بوصفهما اعتبارات مجردة لا تتأثر باهتمامه، فضلا عن ان مظاهر الحياة المدنية وأجهزتها مثار احتقاره وسخطه.
ومن ثم فإن الرجال المسؤولين عن إدارة شؤونه لا بد وان يقدروا فيه تلك الصفات يقصد غير المتحضرة وان يدركوا أيضاً ان القبلي يعبد القوة دون سواها، وانه في المدى البعيد لا بد وان يتلاءم بشكل أو بآخر مع أشكال الاقتناع بالوضع، أي بالتهويد بالقوة، وإذا تعذر ذلك فبالحقائق، واذا ما تجردت أنت من مظهر القوة فإنه قد يسلبك أموالك أو حياتك ان استطاع».
ثم يواصل نبرة التحامل هذه، ليصل إلى ما يريد ان يفصح عنه بصراحة الرحالة الصليبيين المتأخرين: «فرجل القبيلة البدائي، يقسم البشر إلى قسمين: المسلمين والمشركين. وأما نظرية التسامح تجاه المسيحيين، أو اليهود باعتبارهما من أهل الكتب السماوية، فإنها تقتصر على رجال الدين، أما البدوي فلم يعرفها قط..».
على أن هذا الجفاء وعدم الرغبة في التعاون معه لم يقتصر على البدو أبناء القبائل في صحراء الربع الخالي فقط، بل حتى أبناء المدن كانوا يشاركونهم عدم الارتياح هذا، لذلك فهو يصف أهالي مدينة صور حين مر بها: «من الصعب ان تجد أحدا يتعاون معك، وكانت هناك دائما معارضة من ساكنيها».
عمار السنجري



