ذكر الله تبارك وتعالى المرأة في كتابه الكريم مرات كثيرة وحدثنا عنها سبحانه وتعالى في مراحل عدة تعكسها السطور التالية والتي تعرض لمختلف النساء اللائي جاء ذكرهن في القرآن الكريم يقول الله سبحانه وتعالى:(قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) «سورة المجادلة آية 1» من المؤمنات الصحابيات من فقهت في دينها وأخذت من أحكام الشريعة بحظ وافر، وعرفت طريقها إلى الله عز وجل، فاستجابت له، وأسلمت أمرها إليه وأحسنت التوكل عليه واستمسكت بالعروة الوثقى، حتى لقيت ربها عز وجل وهي مؤمنة صادقة كل الصدق في إيمانها مخلصة كل الإخلاص في أقوالها وأفعالها وأحوالها ومقاصدها.

والسيدة خولة بنت حكيم كانت من هؤلاء المؤمنات الصادقات وخوله أو خويلة امرأة تحلت بالفضائل وتخلت عن الرذائل واشتهرت بالحلم والحكمة، وتميزت بالجدل الذي يوصل إلى الحق ويهدي إلى سواء السبيل وقد كانت رضى الله عنها تحسن إلى زوجها وابن عمها أوس بن الصامت وتحنو عليه وتجود عليه بالكثير من مالها، ولا تدخر وسعا في إسعاده وإدخال السرور عليه. ولا تقصر في حقه عليها، وكانت تحبه وتطيعه في غير معصية الله عز وجل ، على ما فيه من شدة في معاملتها في كثير من الأحيان، وقد كان لهذه الصحابية شأن عظيم عند الله عز وجل وعند رسوله صلى الله عليه وسلم وعند أصحابه المقربين رضى الله عنهم أجمعين.

وتحكي السيدة خولة : قد جرت العادة في الجاهلية إنه إذا غضب الرجل من زوجته كان يحرمها عليه ويقول لها «أنت علي كظهر أمي» أي أنت محرمة علي كحرمة أمي.. وكان ذلك يعرف باسم «الظهار» وبموجبه تحرم المرأة نهائيا على زوجها دون أن يكون هناك مجال للصلح بينهما.

وهذا الوضع وإن كان يحدث في الجاهلية فإنه لا ينبغي أن يحدث بعد نزول الإسلام الذي كرم المرأة وحرم وأدها وأعطاها الحق في الميراث بعد ان كانت هي نفسها تعتبر ميراثا لأولاد زوجها بعد موته.

وفطنت إلى هذا الأمر تلك السيدة المؤمنة التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات وهي السيدة التي يعزى إليها الفضل في تحريم هذه العادة الجاهلية بعد أن نزلت الآيات القرآنية التي تؤيدها وتؤيد موقفها الرافض لهذه العادة وذلك في سورة «المجادلة» والتي تنطق بكسر الدال نسبة إلى السيدة خولة صاحبة القصة.وتحكى السيدة خولة نفسها هذه الواقعة فتقول: أنزل الله سبحانه وتعالى هذه السورة في.

وفي زوجي «أوس بن الصامت» وتضيف: كنت عنده وكان شيخا كبيرا فدخل علي يوما فراجعته بشيء فغضب وقال أنت علي كظهر أمي ثم خرج وجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفس فقلت كلا والذي نفس خويلة بيده لا تخلص علي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله بحكمه..

وذهبت خويلة إلى رسول الله وجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه وجعلت تشكو اليه من خلق زوجها وسرعة غضبه في الكبيرة والصغيرة ويجيبها الرسول بقوله لها «ما أرى إلا أنك قد حرمت عليه» وتقول هي «عيالي إن تركتهم ضاعوا وإن أخذتهم جاعوا.. أما من مخرج .. ألا من حل»؟وهنا تقول السيدة عائشة رضى الله عنها والتي حدثت القصة أمامها في بيتها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات..

لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام في جانب البيت وأنا لا أسمع ما تقوله فأنزل الله عز وجل: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وانهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لغفور رحيم) إلى باقي الآيات التي شددت على الرجال الذين يظاهرون نساءهم أن يخرجوا كفارة عن يمينهم هذا كل حسب مقدرته المالية كتحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، وجميعها كفارات رادعة تجعل الرجال الذين يغضبون زوجاتهم يفكرون مليا قبل أن يحرموهن على أنفسهم.

وقد عاشت السيدة خولة عمرا طويلا بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام وشهدت خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب.وذات يوم خرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه يتفقد أحوال الرعية ومعه بعض أصحابه فاستوقفته امرأة عجوز وأخذت تحدثه ويحدثها ولا يسمع حديثهما أحد ثم انصرفت فقال رجل يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز فقال عمر ويلك أتدري من هذه والله لو أنها وقفت إلى الليل ما فارقتها إلا للصلاة ، ثم قال إنها امرأة سمع الله عز وجل شكواها من فوق سبع سموات.

إن هذه المرأة قد عرفت ان الله لن يضيعها ولن يخذلها فذهبت إلى الله تشتكي إليه وتناجيه.. فكشف عنها الضر أليس هو القائل «أمن يجيب المضطر إذا دعاه».ورحمة الله واسعة لم يخص بها أحدا ولم يبخل سبحانه وتعالى بها على أحد، بل هي رحمة عامة لكل من ناجى ربه ودعا، ولعل موقف هذه السيدة الصالحة يدلنا على ذلك فرضي الله عن خولة وأرضاها، ورفع درجتها في الجنة مع الصابرين الصادقين.

جيهان محمود