(إسرافيل شيرجي) رسام وخطاط إيراني من مواليد عام 1962. تخرج في كلية الفنون الجميلة بجامعة طهران، ثم عمل أستاذاً في نفس الكلية، وهو عضو جمعية الخطاطين الإيرانيين. له مجموعة من المؤلفات منها: (شهريار، مدينة الغزل، شرح مجموعة الورد، خاتم العشق، صدى ورد حافظ، لحن الشقائق).

أنتج مئات اللوحات الخطيّة، وشارك في العديد من المعارض الداخلية والخارجيّة، كما أقام بضعة معارض فردية لأعماله. ظهرت ميول شيرجي للخط والرسم في وقت مبكر من حياته، ما دفعه للانتساب إلى كلية الفنون، والإلمام بأصول الرسم والخط العربي الأكاديمية، كما اطلع على تقانات الفنون البصريّة الأخرى، للاستفادة منها، في إنجاز لوحة حروفيّة جديدة ومتميزة. تأثر شيرجي بكبار الفنانين والخطاطين الرواد والذين أسسوا المناهج الراسخة لفن الخط العربي، ودفعوا هذا الفن إلى واجهة الاهتمام والتقدير والاحتفاء، وهذا منح الخط والخطاط، مكانة مرموقة في إيران.

يؤكد الفنان والخطاط شيرجي أن الخط من الفنون الصعبة والعسيرة، ويحتاج إلى جهد كبير، وهو فن خاص بالشرقيين، ويعتمد أساساً على اللحظة الخلاقة، ويأمل أن يتسع رواج هذا الفن الراقي ليشمل كافة أصقاع الدنيا، لكونه يمثل خصوصية الشرق وجمالياته المنبثقة من فنون عديدة منها: حياكة السجاد، والعمارة الإسلامية، والتذهيب، والقاشاني، وفنون الكتاب، والحرف والصناعات التقليدية... وغيرها.وقد أخذت هذه الفنون من بعضها البعض، إلا أن الخط العربي هو القاسم المشترك لها جميعاً، فهو لم يغب عنها، وكان لانتشار الدين الإسلامي في إيران، دوره الهام والمفصلي في دعم هذا الفن وتطويره، ما دفع (جلال الدين الرومي) لتشبيه حركة القصب فوق بياض الورق برقص الصوفيين!!

ويرى الفنان شيرجي أن فن الخط العربي يخرج من بطون الكتب ليستقر على الجدران، لأن الإنسان يتعايش مع الجدران طوال يومه وليله، وهو يطالع الجدران أكثر مما يطالع صفحات الكتب والمخطوطات، من هنا يجب تعميم الخط العربي، من خلال لوحات مدروسة وجميلة، تأخذ طريقها إلى الجدران في المنازل والمكاتب والأمكنة الأخرى كافة.والخط لا يؤدي مهمة جمالية فقط، وإنما لديه القدرة على إخراج الإنسان من دائرة أحزانه، مثال ذلك ما قاله (حافظ الشيرازي): (لقد كتب على هذا الرواق الزبرجدي بالذهب إنه لا باقي غير طيبة أهل الجود) وعلى هذا، لا بد للإنسان كلما صافحت عيناه، النصوص الخطيّة الجميلة، الحاضنة لخلاصة الفكر الإنساني النبيل والخيّر، من أن يتذكر دائماً أن يكون طيباً وصادقاً.

وبما أن الفنان والخطاط شيرجي ابن هذا العصر، يسعى إلى المواءمة والتوفيق بين الخط العربي وعناصر فنيّة تشكيليّة مختلفة، بهدف تكريس جماليات اللوحة، وإبراز جماليات الخط بشكل خاص، لكي يتمتع كل إنسان بها، سواء أدرك المعنى الذي يحتضنه، أم لا، وسواء كان هذا المتلقي ملماً باللغة التي كتب بها الخط وأصوله وقواعده أم لا.

المهم تمكينه من الاستمتاع بالفن والجمال، ومتى تولدت هذه المتعة لديه، لا بد له من أن يسعى إلى فهم المعاني والإيقاعات التي تحملها هذه الأعمال. من أجل هذا عكف الفنان شيرجي على الخط ودراسته، وكان دوماً يؤمن أن على الفنان أن يكون جارياً كالنهر، منساباً كالتيار.

ويؤكد أن انبثاق اللحظة الإبداعيّة لديه، تسبقها فترة تطول أياماً عديدة من التفكير في العمل ودراسته، وفي البحث بسائر جوانبه، لكن اللحظة تأتي عندما يفاجأ أنه أخذ القلم، وانطلق في العملية الإبداعية، التي غالباً ما تأتي بعد عملية دراسة مستفيضة للموضوع.

ويعتقد الفنان شيرجي أنه مهما تطور الحاسوب وانتشر استخدامه لا يستطيع أن يلغي الإنسان وعملية الإبداع. ربما بإمكانه تقديم مساعدة ومساندة العملية الإبداعية، إلا أنه لا يستطيع أن يأخذ مكان الفنان، فالمبدع لا يمكن أن يحذفه شيء، وأن تحل محله أية آلة حديثة.

ويرى أن مستقبل الخط سيكون مشرقاً لأن في إيران الكثير من الذين يحبون هذا الفن ويسعون لتعلمه والإلمام بقواعده، وهذا الأمر ينسحب على كافة البلدان الإسلامية. ويشير إلى أن لكل حقبة تطورها وتكاملها وخصوصيتها في تناول الخط العربي، وهذا الأمر له علاقة بجرأة الفنان واقتداره، بحيث يستطيع إدراك فضاء الحياة المعاصرة.

وخلق ظاهرة جديدة في مسيرة الفن والخط، وعادة لا يظهر التطوير بشكل ملموس للوهلة الأولى، لأن الفن يتطلب قرناً من الزمن ليظهر أستاذاً أو معلماً يغيّر ويؤسس لأساليب ومناهج جديدة مغايرة، لذلك فإن العملية التطويرية، وخاصة المتعلقة بالخط، تتطلب وقتاً وجهداً مضنيين.أخيراً يؤكد الفنان شيرجي أن الفن يتمتع بروح ظريفة وحساسة، والإنسان بصرف النظر عن قوميته، يجد نفسه منجذباً إلى تلك المنحنيات والجماليات التي يتمتع بها فن الخط.

وفي سويسرا أحس أن الناس عندما شاهدوا لوحاته، شعروا بالسعادة، خاصة وأنهم اكتشفوا فيها جماليات وخصوصيات الفن الشرقي الحقيقي، وازداد ارتباطهم وتفاعلهم مع هذه الأعمال عندما ترجمت لهم المعاني المستمدة في غالبيتها من القرآن الكريم، وقصائد الخيام، والشيرازي، وغيرهم من العظماء.

د. محمود شاهين