لم يكن اللقاء مع عائشة أحمد المسعود المحيربي عادياً، فالسيدة التي نشطت في المحافظة على تراث بلدها وعاداته من باب الفن التشكيلي، بدت أكثر اندفاعا من قبل. ولم يؤثر غيابها عن الأحداث التراثية والفنية لأسباب عائلية خاصة لمدة سنة كاملة على حماسها، بل دخلت مرسمها من جديد وبدأت تبحث في أجندة النشاطات التراثية المقبلة على فكرة تقول من خلالها «هذا هو تراث بلادي وهذه هي عاداتنا».

لا تذكر عائشة بالضبط متى انطلقت فيما تسميه «العمل التطوعي» الذي يشمل المشاركة في كل النشاطات المتعلقة بالتراث الإماراتي، ومد يد العون للمحتاجين من مواطنين ووافدين. لكنها لا تنسى تلك اللحظة التي قررت فيها الخروج إلى العالم واثبات حضورها وذاتها متحدية كل الصعاب ملتزمة اشد التزام بعادات بلدها وتقاليده. تزوجت عائشة في سن مبكرة مباشرة بعد أن أنهت دراستها الثانوية، وأنجبت خمسة أولاد، لتصير بعدها جدة وهي لا تزال في العقد الثالث من عمرها. تقول عائشة إنها كانت ترغب في متابعة تحصيلها العلمي «لكن الزواج حال من دون ذلك، كانت بنات جيلنا يخجلن من رفض طلب زواج خصوصا إذا لم يبد الأهل أية ممانعة».عام 1992 قررت عائشة أن تتعلم الرسم، لأنها تحب الألوان منذ كانت طفلة، ولا تزال تذكر «أبلة جميلة» معلمة الرسم في المدرسة التي كانت تحثها على إطلاق العنان لموهبتها، كأن تتركها ترسم على اللوح بعد الحصة وتكافئها بعلبة تلوين ودفتر.

التحقت بالمجمع الثقافي حيث تابعت دروسا في الرسم. وتذكر معلمتها شاهينة أجمل التي تركت في نفس عائشة أثرا كبيرا وإصرارا على الخروج بعمل متكامل يقنع عقلها وروحها ويعبر عنهما. شاركت خلال السنتين اللتين قضتهما في تعلم الرسم في عدد من المعارض الجماعية التي كان ينظمها المجمع، تفتخر بان تكون بعض أعمالها معلقة في بيوت «شيخات» أبوظبي وبعض فعالياتها. تقول عائشة إنها اعتادت على إهداء لوحاتها لأصدقائها وأقاربها كما يزين جدران منزلها العديد من هذه اللوحات، خصوصا تلك التي تحمل أبعادا تراثية باعتبارها الأحب إلى قلبها. لا ترسم صور أشخاص إنما مناظر طبيعية من الإمارات، فتجد البحر الأزرق والكثبان وشجرة النخيل ودلّة القهوة وخيم البدو والبيوت المصنوعة من سعف النخل.

لم تحصر عائشة نشاطها في الرسم فقط، تطوعت في جمعية أبوظبي الخيرية التي انتقلت إلى الهلال الأحمر الإماراتي، وجندت فنها في النشاط الخيري والتوعية وكذلك علاقاتها الاجتماعية. وتحولت إلى مساعدة الفقراء والمحتاجين من أبناء الدولة والوافدين القاطنين فيها، إما مباشرة وإما عبر نقل شكواهم إلى الجهات المسؤولة أو عبر حث أصحاب الأيادي البيضاء بالتبرع للمساعدة.وعند سؤال عائشة عن رمضان وتقاليده تشير إلى أن معظم العائلات الإماراتية ما زالت متمسكة بتقاليد الشهر الفضيل ومازالت تستعد له مع دخول شهر شعبان. وتعتبره شهر الخير يذكر فيه الإنسان أخاه الإنسان.

ويذكر أن الإنسان لا يأخذ معه إلى دنيا الآخرة إلا أفعاله الحسنة. تقول: أبدأ بإعداد لوائح بأسماء عائلات محتاجة، بعضها اعرفها شخصيا وبعضها يرشدني إليها أصدقاء. ثم اشغل هاتفي، اتصل بإخوتي واطلب منهم المساعدة واتصل بتجار وأصحاب مصالح ميسورين. يصل عدد العائلات التي تستفيد من «صدقة شعبان» نحو 600 يتوزعون بين وافدين ومواطنين. ويعاون عائشة في نشاطها الخيري هذا عدد من السيدات صديقاتها اللواتي ينشطن هم أيضاً في مساعدة المحتاجين.

شاركت عائشة في أكثر من عشرين معرضا بعناوين مختلفة ولكنها أبت إلا أن تتبنى المنحى التراثي بكل تفاصيله. تقول: «لا يفرق السائح الذي يزور بلادنا بين ما هو إماراتي وما هو هندي أو باكستاني. يعتقدون أن التحف التي يشترونها من الأسواق من محال تحمل مسميات تراثية تخصنا ويعتقدون أن الأكل الذي يتناولونه هو طعامنا، بينما يكون إما هنديا أو يمنيا أو باكستانيا».

تحتفظ عائشة في بيتها بمجموعة كبيرة من الأواني القديمة مثل «دلات رسلان» والفخاريات التراثية التي كان الإماراتي يضع فيها الماء ليحفظه باردا، والحصر والأواني التي كانت تحيكها النساء من سعف النخل. تشير عائشة إلى أن الطراز المعماري للبيوت الإماراتية يختلف عن الذي يبنى اليوم تحت عنوان تراثي، «فمعظم البيوت كانت تبنى من سعف النخيل تغير جدرانها واسقفتها كل سنة أو اقل».

وتروي عائشة: «أنعم الله علينا بحياة كريمة وميسورة، اذكر بيتنا القديم حيث ولدت ونشأت قرب قصر المنهل، والميناء، كانت لوالدي أحمد محمد المسعود المحيربي أعمال وتجارة مزدهرة وكان مقربا جدا من شيوخنا. أذكر أننا كنا نشارك في إعداد الطعام لعمال الميناء».

تتحدث عائشة بفخر واعتزاز عن والدها الذي شغل منصب رئيس غرفة التجارة في أبوظبي وأسس عددا من الشركات التجارية ورافق خلال حياته شيوخ الإمارة. تقول: «أمن لنا حياة كريمة ركبنا السيارات الفخمة وامن كل حاجياتنا. فالحياة قبل 20 أو 30 أو 40 سنة لم تكن سهلة أبدا ولم تكن الأشياء التي يحتاجها المرء متوفرة بسهولة، فعلى سبيل المثال كنا نحتاج إلى 3 أيام سفر للوصول إلى سوق البريمي في العين لشراء حاجياتنا، كل شيء كان مختلف وتبدل مع الوقت».

تحتفظ عائشة بمجموعة كبيرة من الصور والوثائق القديمة التي تؤرخ لبعض الأحداث التي شهدتها أبوظبي وكان والدها حاضرا فيها إلى جانب الشيوخ والأعيان. ومن بين هذه الصورة واحدة مأخوذة في مناسبة افتتاح الميناء بعد أعمال توسعة فيه وأخرى خلال تدشين بئر ماء عذبة في العين، بالإضافة إلى صور لا تعرف عائشة مناسبتها.

ولا الأشخاص الذين ظهروا فيها إلى جانب والدها، ولكنها تتذكر «المدرسة لم تكن بعيدة عن البيت. ذهبت إلى مدرسة الخنساء في بطين وكنا نتشارك مقاعد الدراسة مع «الشيخات»، اذكر منهن الشيخة سلامة والشيخة شمسة. علمنا الوالد كيف يكون الإنسان كريم النفس والخلق، مضيافا وصادقا في حياته وعمله ومخلصا لوطنه وعائلته ورؤسائه».

وتتابع واصفة الحياة في تلك المرحلة بأنها كانت «كالحلم الجميل، لبساطتها والأمان والطيبة التي كانت سائدة» وتروي عن جدتها وأمها اللتين علماها الطبخ الإماراتي مثل الهريس والفريد مع «الصالونة» أي «مرقة» الخضار والليمون المجفف مع الدجاج أو اللحم أو السمك. كما تعلمت صناعة السمن العربي الأصيل وخياطة الرزي وغيرها الكثير من الحرف.

وترى عائشة أخيرا، «ضرورة إقامة معرض تراثي دائم يشارك فيه الشبان والشابات المواطنات يتعرفون من خلاله على حرف وصناعات الماضي ويعرض للسياح الأجانب والوافدين التراث الإماراتي الحقيقي، فيتذوقون قهوتنا وخبزنا وطعامنا يتعرفون إلى ملابسنا التقليدية وحلينا وأوانينا المطبخية وبيوتنا وأثاثها»، وتدعو إلى «إشراك الشباب في نشاطات تعرفهم إلى تراث وتقاليد بلدهم ومعاملتهم بسخاء لتشجيعهم على الانخراط فيها وتعلمها، لما في ذلك من انعكاس ايجابي على حياتهم، يبعدهم عن طرق الانحراف والتهور التي باتت كثيرة في هذه الأيام».

كارول ياغي