أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب.

وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسموات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

المكيّف في واحدة من سونيتات ويليام شكسبير. يفتتح الشاعر الانجليزي الكبير أبيات قصيدته وعددها 14 بيتاً حسب الشعر الانجليزي يخاطب فيها الشاعر محبوبته سائلاً:

ـ هل لي أن أقارن بين حُسنك وبين يوم من أيام الصيف..

ـ أنت والله أجمل وأرق اعتدالاً..نطالع هذه الأبيات والمعاني في فترة الطلب وإذ كانت تشارف أيام الامتحان مع مطالع يونيو ويوليو.. كنا نشعر بمزيج من الدهشة وربما الحنق على قيس (الإنجليزي) وهو يقرن ليلاه بيوم من أيام الصيف.. كيف لا وصيفنا لافح وقيظه هجير.. وفي وجداننا المعرفي والعقيدي يقترن الحر بالنار وبالتالي بعذاب السعير وصهد الجحيم.. بقدر ما يقترن النعيم برقة النسيم وبرودة المياه الجارية واعتدال الأجواء.. بغير قيظ لافح ولا زمهرير قارس.

هذه هي الأجواء المكيفة – كما قد نسميها – حسب احتياجات الإنسان.. وتلك هي الوظيفة التي أصبح جهاز التكييف العجيب يؤديها في حياة الناس.. وكم درج هذا الجهاز على تلطيف الأجواء في بيئات الصحاري أو الأصقاع الحارة من جنوب العالم.. لكن ها هو يزداد أهمية إلى درجة حيوية حتى في أرجاء الشمال أيضا من الكرة الأرضية بعد أن أصيب كوكبنا بآفة الاحترار أو التساخن والاحتباس الحراري على نحو ما حار فيه علماء المناخ من أوصاف وتسميات.

ولأن الحاجة بحق هي أمّ الاختراع – فقد نشأت الحاجة إلى تلطيف الجو وتخفيف القيظ في الولايات الجنوبية من أميركا، وفيها كما نعلم بيئات صحراوية شديدة الجفاف (أريزونا مثلا)، وفيها أيضا بيئات تصاب بآفة الرطوبة الشديدة شبه الخانقة (فلوريدا مثلاً).

ومع مطالع القرن العشرين كان العالم قد عرف طاقة الكهرباء.. وكان قد استمع إلى أول الأصوات المسجلة في تاريخ الحضارة البشرية من جهاز اسمه الفونوغراف – الحاكي – كما يسميه يعاربة اللغويين: لكن العالم كان يتلهف إلى إمكانية تلطيف الطقس.

صحيح إن كان بوسع الناس أن يشعلوا مدفأة يصطلون بوهجها من زمهرير الشتاء لكن أهل القرن التاسع عشر لم يكن أمامهم في الصيف سوى استخدام المياه المجمدة إلى درجة الثلج ثم وضعها أمام مراوحهم البدائية لعلها ترسل عليهم نسمة من برود.. كانوا بهذا يستعيدون ما سبق إليه الرومان منذ نحو 2000 سنة حين لاحظوا أنهم حين يمررون المياه فوق أحجار ساخنة يتصاعد ساعتها بخار أميل إلى البرودة أو هكذا كانوا يفعلون.

لكن المتغير التاريخي في تلطيف الهواء كان له منطق آخر..وقد نشأ هذا المنطق في أنجولا.. وهي ليست البلد الأفريقي الذي مزقته الحرب الأهلية في الماضي وما زال يتطلع مع اكتشاف النفط إلى حياة أفضل نسبيا في المستقبل: أنجولا محلة صغيرة في ولاية نيويورك – نشأ فيها شاب مولود عام 1776 باسم ويليس كاريير..

وفي سن العمل اشتغل في قسم الهندسة بإحدى الشركات.. وحاول يوما أن يحل مشكلة الرطوبة التي كانت تؤثر على ألوان طباعة الكتب، فكان أن اصطنع جهازا يعمل بتمرير المياه مع الهواء في تلافيف شبكة من الأنابيب التي صنعها، مستخدما في ذلك القوة الطاردة المركزية التي تشتغل بها مروحة ذاتية الدوران.

الجهاز الأول كان يزن 30 طناً بالتمام والكمال وهو الذي سجلوه كاختراع جديد في 16 سبتمبر عام 1904 بعنوان «جهاز لمعالجة الهواء» وهو الاسم العمومي لهذه الآلة التي كان عليها أن تنتظر مخترعا آخر اسمه: «ستيورات كروور» لكي يضيف إلى الجهاز مصفاة لتنقية الهواء من ذرات الغبار وكان ذلك أصلا لصالح تنقية خيوط القطن من التراب، ثم يخلع على الجهاز اسم «مكيف الهواء» وكان ذلك في عام 1906.

بعدها عكف كاريير ومساعدوه على محاولات تجويد وتصغير جهازهم المستجد للتعامل مع الهواء، واستغرقت محاولاتهم ردحا طويلا من الزمن حتى عقد الأربعينات توصلوا بعدها إلى تخفيض سعره وتصغير حجمه بعد أن كان مقصورا على الاستخدام في المصانع وما في حكمها من كبرى المنشآت..

وبعد الحرب العالمية الثانية بدأ استخدام جهاز التكييف في المنازل.. وفي عام 1965 استخدموا أربعة أجهزة مركزية عملاقة لتكييف أكبر مرصد فلكي في أميركا – وكان المخترع الأول كاريير قد رحل عن الدنيا عام 1950 بعد أن ترك اسمه مسجلا – كما تقول المراجع الرسمية - على أكثر من 80 اختراعا تدور كلها في عالم تكييف الهواء.

القلم الجاف

ليس لأحد أن يستهين بهذا «الاكتشاف» الذي يبدو بسيطا أو حتى ساذجا إذا ما قورن طبعا باختراع الرادار أو الطائرة أو الحاسوب. ذلك لأننا نتعايش مع هذه الأدوات والمنتجات التي فتحنا العين عليها وتعاملنا معها من منطلق الإتاحة الدائمة والسعر الزهيد.. لكن كم كابدت أجيال سبقت مشكلة المحبرة التي كم انسكبت أحبارها بألوان شتى على مناضد الكتابة وثياب الكاتبين..

وكم كان تسجيل الحروف يحتاج إلى ريشة من نوع خاص ويستخدم أدوات حادة كمبراة تحتاج بدورها إلى يد خبيرة وإتقان المجرّبين، هذا فضلا عن صعوبة تحريك الدواة وأقلام البوص وسوائل الأحبار حسب تنقلات الكاتب وحركة الأديب.. نستعيد هنا صورة الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز (1588-1679) صاحب الكتاب السياسي الذي صور فيه الدولة الحاكمة بوصفها المارد الجبار وحمل كتابه عنوان «التنين» – هذا الفيلسوف أمر فاصطنعوا من أجله عصاة يتوكأ عليها ثم طالب بتركيب محبرة دائمة في رأس العصا بحيث يستطيع تسجيل ما كان يتراءى له من سوانح وأفكار.

لقد توصل العقل البشري إلى قلم الحبر الجاف ضمن إطار جغرافي يجمع بين وسط أوروبا وقارة أميركا اللاتينية. أول من فكر فيه كان صحافياً هنغاريا (من المجر) اسمه «لازلو بيرو». في يوم من أيام عام 1938 زار إحدى الصحف في بلاده ولاحظ أن الحبر المستخدم في طباعتها يجفّ بسرعة ولا يترك آثارا..

ولاحظ أيضا أن هذا الحبر كان أشد سماكة من ذلك المستخدم في أقلام الحبر الأبنوس التي كانت شائعة في تلك الفترة. وقادته الملاحظة إلى أن يعكف على تركيب نوعية الحبر الذي لا يسيل بسرعة بل يجف دون أن يترك بقعا.. بعدها هاجر بيرو مع شقيقه الكيميائي إلى الأرجنتين في عام 1940..

وبعد محاولات مضنية توصلا إلى تركيب نتوء في سن القلم (كرة صغيرة كما وصفوها) بحيث تدور متحركة عند استخدام القلم الجديد في الكتابة وتستمد الحبر من أنبوبة صغيرة يتم تمديدها داخل جسم القلم ولا تفرز الحبر إلا مع الضغط الذي يحدث خلال عملية التدوين..

وبعد تسجيل الاختراع في الأرجنتين كان أول من استخدمه شركة الطيران البريطانية التي كان مضيفوها يشكون من تسرب الحبر من أقلامهم التقليدية نتيجة الضغط الجوي لدى التحليق في أجواء الفضاء العليا.

في عام 1945 كان القلم الجاف الواحد يباع بمبلغ 27 جنيها إسترلينيا وهي ثروة بكل معنى في ذلك الزمان. يومها زار الأرجنتين المستثمر الأميركي من شيكاغو ميلتون رينولدز وحين شاهد (القلم العجيب) في واجهات المحلات اشترى بعض العينات واستأجر عددا من الاختصاصيين لتطوير الاختراع..

وكان طبعا أن يصل الخلاف بين المخترع الأوروبي والرأسمالي الأميركي إلى المحاكم وربما حسم الأمر أن تَوصّل طرف ثالث هو «بارون بيك» إلى جيل ثالث من تلك الأقلام يقوم على أساس استخدام القلم لفترة ثم التخلص منه إلى سلة المهملات لقاء سعر زهيد في متناول كل الناس. جاء ذلك في عام 1953 ومن يومها دخل قلم الجاف بماركاته المختلفة وسهولة استخدامه وبساطة أسعاره حياة الناس.

لكن يبدو أن لكل تقدم مغارمه وكل اختراع إيجابي له أيضا جوانب يمكن أن تكون سلبية..في أيام أقلام البَسط وحبر الدواة وريشة الكتابة كان الناس يتبارون في فن الخط أو ما كان يعرف باسم تحسين الخطوط حتى على اختلاف الحروف واللغات. وكانت إجادة الكتابة وتحسين الخط آية على قدر من التأني في قدح الذهن وإعمال الفكر قبل التسرع إلى تسجيل الجمل وتدوين العبارات..

وربما دامت الأحوال حتى مع استخدام قلم الحبر الكلاسيكي القديم الذي كان يحمل أحيانا صفة «الأبنوس» حيث كان المنتجون يتفننون في تجميل إنتاجه إلى حد أن صنعوا منه أصنافا مموهة أو مطعمة بالذهب أو من ذهب خالص في بعض الأحيان.. هنالك كانت أجيال سبقت ينتظر ناشئتها قلم الحبر الأبنوس هدية أو مكافأة التفوق على سائر الأقران..

مع القلم الجاف دالت دولة الأبنوس وحتى حقق على قلم الحبر المذهب نفس المصير الذي سبقت إليه الريشة والدواة اللتان تسيدتا الحلبة ربما إلى أواسط القرن التاسع عشر – ودالت مع هذا التطور الحتمي بالطبع دولة الخطوط الجميلة وفنون الإجادة والتحسين. وبقدر ما سادت ثقافة الديسكو حياة عصر هائج ومضطرب.. فقد أدى استخدام القلم الناشف إلى أن باتت الخطوط متعجلة وكأنها تعكس أفكارا لاهثة الخطى.. مع إهمال لا تخطئه العين من حيث محاولات التجويد أو الإتقان أو التحسين.

محمد الخولي