هذا الأديب، الكاتب الخطيب العالم الرحالة، والزعيم الوطني التونسي العروبي الإسلامي، الشيخ عبدالعزيز الثعالبي، ليس هناك من ينافسه في عدد واتساع الحدود التي اجتازها، وعاين ودرس أحوالها، وعمل بإخلاص لمساعدتها وتنويرها. فهو بحق النموذج الأمثل لـ «أدباء بلا حدود»..
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كانت أحوال البلاد العربية والإسلامية قد وصلت إلى درك خطير من التفرق والتخلف والضعف، جعلها فرائس سهلة للغزاة المستعمرين، الذين راحوا ينهبون مقدراتها، ويعملون على اجتثاث جذور انتمائها، ومقومات ثقافتها القومية والإسلامية، ضماناً لاستمرار سيطرتهم عليها واستغلالهم لها.لكن الشعوب العريقة لم تستلم، ففي ظلمات تلك الأحوال الصعبة، انبثقت روح المقاومة والكفاح الوطني، وبرزت فيها قيادات وزعماء ورواد، حملوا رسالة المقاومة والتنوير واستنهاض الأمة، وكابدوا في سبيل ذلك كل ألوان المعاناة، من التضييق والملاحقة، إلى السجن والتعذيب، إلى النفي والقتل.
في تلك الأجواء، بمدينة تونس، سنة 1874، ولد عبدالعزيز الثعالبي، ونشأ في كنف جده عبدالرحمن الثعالبي، القاضي المجاهد الجزائري، الذي هاجر من الجزائر إلى تونس إباء وأنفة من أن يعمل في خدمة الفرنسيين محتلي وطنه. وهكذا تشرب الطفل روح الإباء والنضال، التي راحت تتنامى بحفظه القرآن الكريم ودراسته بجامع الزيتونة، والدراسة العليا بالخلدونية وفي خضم معترك النضال الوطني تبلورت في ذهنه ثلاثة مسارات متكاملة للنضال وأهدافه:
1- استقلال الوطن وتحريره من الاحتلال الأجنبي وآثاره المدمرة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية.
2- نهضة الشعوب العربية، بما تعنى من تحرر واستقلال، وروح وحدوية، وتعاون وتكامل عربي إسلامي سياسياً واقتصادياً وثقافياً، تدعيماً للهوية القومية التي تتفاعل في بوتقتها عناصر الأصالة ومقومات المعاصرة.
3- نهضة الشعوب الإسلامية، بما تعنى من استقلال، وحسن استثمار مقدراتها، وتعاونها مع أشقائها في العالم، وتحرير للعقل الإسلامي مما ران عليه طوال عصور الجمود والتخلف.
في هذه المسارات الثلاثة، انطلق الشيخ عبدالعزيز الثعالبي مطالباً بالاستقلال، مندداً بجرائم الاحتلال في وطنه، مدافعاً عن اللغة العربية والتعليم الوطني، داعياً إلى فهم مستنير لمبادئ الدين القائمة على الحرية والحق والعلم والتقدم والمساواة والعدل، معرفاً بأهمية وضرورة وحدة نضال الشعوب العربية والإسلامية.
كانت أسلحة الثعالبي وأدوات نضاله هي: الخطابة والكتابة الصحافية، والبحث العلمي الاجتماعي والاقتصادي. لكن السلطات الاستعمارية أخذت تضيق الخناق على حركته، وتلاحقه، وتعطل الصحف التي يصدرها أو يكتب فيها. وهكذا لم يكن أمامه من سبيل لخدمة قضية بلاده، والقضايا التي آمن بها، إلا عبور «الحدود»، ورفع صوت وطنه إلى أسماع العالم، فضحاً لاستبداد الاحتلال، وطلباً لعون الأشقاء وذوي الضمائر الحية في العالم.
وفي خفية، عبر الشيخ عبدالعزيز الثعالبي حدود تونس إلى طرابلس فبنغازي، فاليونان فبلغاريا وصولاً إلى الآستانة عاصمة الخلافة، ومنها إلى مركز الإلهام النهضوي، وحصن أقطاب الفكر وقادة الرأي والأحرار المجاهدين من كل مكان: القاهرة، التي كان يقول فيها: «لا بد أن تكون واسطة عقد النهضة العربية الإسلامية، باعتبارها مركز الثقافة العربية والإسلامية».
وفي عام 1902 ـــ وبعد أربع سنوات من الترحال بلا حدود ـــ عاد الثعالبي إلى تونس. عاد ـــ على حد تعبير المفكر التونسي الفاضل بن عاشور ـــ «غريب الشكل والنزعة والمنطق والعلم، عاد يتكلم بأفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وآراء الكواكبي» وغيرهم من دعاة الحرية والتطور والفهم المستنير للدين والحياة.
وفي تونس، برز الثعالبي كأحد أهم قادة الكفاح الوطني ضد الجمود الفكري، وضد الاحتلال والنهب الاستعماري للثروة الوطنية، وتخريب مناهج التعليم القومي والإسلامي. وجعل من صحيفته التونسي العربية، والتونسي الفرنسية، صوتاً لمجاهدي ليبيا الشقيقة ضد الغزو الإيطالي عام 1911.
ومن جديد راح الثعالبي، يلاقي أشد العنت من الملاحقة والاعتقال، وكذلك من عداء ذوي العقول المتزمتة من أبناء وطنه. ومع اشتداد ضراوة الملاحقة، شد الثعالبي رحاله إلى باريس، أملاً في تنوير الرأي العام الفرنسي بحق بلاده، ولكنه لم يجد أذناً مصغية، فعبر الحدود إلى سويسرا، وارتحل إلى مصر، ومنها إلى اليمن، وبلاد الشرق الأقصى، قبل أن يعود إلى تونس عام 1913، ليواصل النضال.
وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى، راح مع إخوانه يهيئ لمرحلة ما بعد الحرب، فأسسوا الحزب الحر الدستوري، واختاروا الثعالبي زعيماً له بالإجماع. وسافر الثعالبي إلى فرنسا وتقدم إلى الرئيس الأميركي ويلسون بمذكرة تطالب بالاستقلال. كما أصدر كتابه الشهير «تونس الشهيدة» باللغة الفرنسية، الذي شرح فيه جرائم الاحتلال البشعة بحق الشعب التونسي.
ومرة أخرى اعتقلته السلطات الفرنسية، وأعادته إلى السجن في تونس، وعندما اضطرت إلى الإفراج عنه بعد تسعة أشهر، أقام رجاله ومناصروه حفلاً وطنياً، ألقيت فيه الخطب والأشعار، وكان منها قصيدة لكبير شعراء تونس آنذاك محمد الشاذلي خزنة دار، كانت سبباً في اعتقاله هو أيضاً:
لك الله يا عبدالعزيز مؤيداً
لك الله يا عبدالعزيز موفقاً
تجردت للخضراء ترفع شأنها
وتجمع من أشتاتنا ما تفرقا
وقمت مع الأحرار للحق داعياً
وللباطل الممقوت بالحق زاهقاً
وكنت مثالاً للثبات وربما
يقاوم فرد بالبسالة فيلقا
ومضى الثعالبي في مقاومته العنيدة، يغذي الضمائر والقلوب بروح الانتماء للوطن والعروبة والإسلام، ويحفز الهمم على المقاومة والكفاح. وعندما شعر بالتآمر للتخلص منه، لم يكن أمامه سوى العودة إلى عبور الحدود، فكانت هجرته ورحلته الكبرى إلى الشرق، التي استمرت من عام 1923 حتى عام 1937، والتي جعلت منه بحق وبلا منافس إمام من نسميهم «أدباء بلا حدود».
كانت سنوات هذه الرحلة أو الهجرة الكبرى أخصب وأغنى مراحل حياة الشيخ عبدالعزيز الثعالبي. خلالها ارتحل إلى إيطاليا واليونان وتركيا، وإلى الهند والصين وإيران. واستقر ست سنوات منها في بغداد، وعاين بلاد الجزيرة العربية والخليج، ورسا به المطاف في القاهرة.
في كل محطة في ذلك الطواف، كان رمزاً مشعاً للتنوير والنهضة، محركاً وحافزاً للهمم المتطلعة إلى تحرير بلادها وبناء حياة أفضل فيها، ولذلك كان محل التكريم والإجلال في كل مكان يقصده.
في الكويت مثلاً، شهدت حفلات تكريمه في زيارتيه حشداً من أعلام الأدب والشعر، ومنهم الشاعر الكبير صقر الشبيب الذي قال معبراً عن فرحة الكويت بقدومه وأملها فيه:
إني لأرجو أن تؤسس بيننا
فيها الوئام فأنت خير مؤسس
فاغرس بذور هوى الوئام فإنه
ينمو فيجني إن برأيك يغرس
وأزل بحكمتك الخلاف فإننا
منه لشقوتنا نسير بحندس
وفي الاحتفاء به وتكريمه في البحرين، تبارى الخطباء والشعراء في الإشادة بفضله، وشرح أحوال الخليج المؤلمة، ومناشدته العون.
ومن ذلك قصيدة الشاعر خالد الفرج:
عبدالعزيز وأنت أفضل قادم
وافى بوقت للنهوض مناسب
لا خير في بلد يشيب شبابه
لم يسمعوا بمدارس ومكاتب
بالله إن سطرت عنهم أسطراً
وكتبتها بنجيع قلب ذائب
فأبن لهم سر المذلة علهم
يقفوا على كيد العدو الواثب
واكتب وعظ وانشر خبايا حالهم
في الخافقين فأنت أفضل كاتب وعن زيارته لدبي، كتب الشيخ الثعالبي ملاحظات نافذة البصيرة، جاء فيها:«في جزيرة العرب ثروات كبيرة، وأغلب تجارة الصادر والوارد في يد أهلها تزاحمهم بعض عناصر من أهل فارس ونجد في البحرين وفي دبي وقليل من الهنود.
ومغاصات اللؤلؤ تدر على سكان الخليج (الفارسي) نحو خمسين مليون روبية في كل عام. ولكن من المحزن أن رؤوس الأموال الكبيرة تودع في بنوك الهند دون أن تنتفع بها البلاد في إخراج مشاريع جديدة أو أعمال تزيد الربح.
وفي اعتقادي أن أهل البلاد العربية الواقعة على الخليج الفارسي أنشط عناصر الشرق، وأكثر التجارة مع الهند بيدهم، ولكنهم لا يستثمرون أموالهم في التوسع في أعمالهم».
والحق أن دراساته وآراءه التي اجتهد في استنباطها على امتداد سني رحلاته منذ أكثر من مئة عام، تمثل موسوعة فكرية عربية وإسلامية، ما تزال جديرة بدرسها والإفادة منها في حياتنا العربية والإسلامية المعاصرة.
عبدالوهاب قتاية

