في أمثال العرب القديمة «من شابه أباه فما ظلم» أي جدير بالولد أن يكون شبيه أبيه. وقد انتقل هذا المعنى إلى الشعر، والكلام المأثور، وقالوا في هذا المعنى: «الولد سر أبيه» وقالوا: «إن العصا من العصية»، ومثل هذا في كلامهم كثير.

<* الولد صورة الوالد من هنا صرّح الشعراء بمثل هذه المعاني، من باب تحببهم إلى أولادهم من البنات والبنين، والشعور بالانتماء إليهم، والمشابهة لهم، ونجد هذا في قصيدة لخالد سعود الزيد، أحد شعراء الكويت المعدودين في العصر الحديث، وضع لها عنوان: (ولدي). وهي مثال من أمثلة شعر الشعراء المحدثين في الالتفات إلى الولد والتودد إليه، والفرح به، والانصهار في محبته.وقد بدأت القصيدة بفكرة المشابهة الواقعة بين الأب وولده، وعدد أموراً من تلك المشابه، فقال:

على وجهه صورتي لو يَعي

وفي مقلتيه صدى منبعي

وفي شفتيه انسيابُ الجمال

نسيماً يجنّح في أَضْلُعي

وفي صوته بحّةٌ حلوةُ

هي النغمُ الفردُ في مَسْمَعي

لفت نظره في ولده أولاً:

ـ الصورة العامة للوجه.

ـ والعينان اللتان تتشابهان مع عينيه.

ـ وصورة الفم الذي يكمل تشابه الملامح.

ـ والصوت الذي يوحي بأنه صوت والده، والذي لا يطرب الأب الحنون غيره!

وأعجب الوالد من ابنه أنه يشبهه من جهة، ويقلده من جهة ثانية، وكلا الأمرين محببان إليه، يتوغلان في صميمه ويترجمان زيادة في المحبة والمودة: قال عن ولده الصغير:

يردّد لحني ويزهو بهِ

على تِرْبِه وعلى المَجْمَعِ

ويجلسُ مثلي إذا ما جلستُ

ويُعجبه حين يلهو معي!

وفي الشعر صورة حركية حية كأنها ملتقطة بآلة تصوير سينمائية تعرض مشهداً، وللوالد مع أبيه علاقة متشابكة، سرد منها الشاعر أشياء، فقال في تصرف ابنه معه:

ويؤلمه أَنّني لا أُحِسُّ

إذا ما دَعاني ولم أسْمَعِ

فيضربني لاهياً زاهياً

ويطرحني كي يرى مَصْرَعِي!

ويغضبُ إن هاجني صاحب

فيلكمه هاطِلَ الأَدْمٍعِ

فيا ما أُحَيْلاهما قبضَتَيْنِ

هما مَوئلي في الغِد المُفْزِعِ

فللولد انفعال مع أبيه يلاعبه، ويغالبه، والأب ينغلب له ويظهر أنه مهزوم لأجله، والابن ينتصر لأبيه من صديق أزعج والده.وتوقف الشاعر عند عبارة (أبي) التي ينادي بها الصغير والده بلغته ولهجته، وصوته، ويصف تأثر مشاعره بذلك:

وإن ردد القول لي (يا أبي)

أَجَبْتُ نعم يا حشا أَضْلُعِي

فيزهو ويفترّ عن مبسمٍ

هو الدرُّ في شكله الأَرْوَعِ

ويبدي دلالاً ويمُلي كما

يشاءُ له خاطِرٌ لوذعيّ

فأمنعه تارةً عن هواهُ

وطوراً أُجيبُ ولا أَدّعي!

فهو حوار، من طرفين، ولكل واحد لغته، لكنها مفهومة منهما أيضاً. والأب يحزنه أن يبكي ابنه، لأي سبب من الأسباب.

وإن ناح في ليلةٍ لم يعد

فؤادي سويّاً على المَخْدَعِ

يقلّبني الهمّ مستلقياً

ويقلبني الكَرْبُ عن مضجعي

أناجيه من خافقي المستضام

وأدْنيه من قلبي المُوْجَعِ

وأجْمَعُه فوق صَدْري بما

يعانيه في الغيب والمطلع

ويتلاشى الأب في شخص ابنه، فكأن هذا الطفل صار هو الحياة ممثلة في ولد، وهو الأمل ماثلاً في بشر، وهو السرور ماثلاً للعيان.

ويقبل الأب ابنه من وراء هذه المحبة، والعواطف، والمودة والشغف ويعطيه من معاني القبول والرضا ما يصل إلى قلبه، وعقله، ونفسه ويختم فيقول:

وأشقى لِتُسعده حالتي

وأبكي لتضحكه أَدْمُعِي!

إنها العاطفة الأبوية الإنسانية التي أودعها الله في نفوس البشر لتبقى، ولتقوى الحياة!

أ.د محمد رضوان الداية