«رمضان ع البال» إطلالة نعود بها من وقت إلى آخر مع أعمال تلفزيونية كانت تؤنس الناس في الأمسيات الرمضانية، وشكلت مسارا إبداعيا في الأعمال الدرامية والتي بفضلها تحتل دبي اليوم مكانة متقدمة في مسارهالتكون عاصمة للإنتاج الدرامي العربي عموما والخليجي خصوصا.

منذ أربعين عاماً تقريباً أنجز الفنان الإماراتي الكبير سلطان الشاعر مسلسلاً درامياً لصالح تلفزيون أبوظبي اسمه «شحفان»، كان بمثابة الفتح في الدراما الإماراتية آنذاك، وكان جسراً نقل الفنان الإماراتي إلى الضفة الأخرى من الإبداع. وأعتقد أن ما من مسلسل أهم منه للبدء في الحديث عن الدراما الإماراتية أيام زمان التي تعني الجد والاجتهاد من اجل الحصول على نتائج ترضي المشاهدين، بل اجزم أن عملاً كهذا سيثير ذاكرة كثيرين وخاصة المسنين من الإماراتيين والخليجيين الذين ما زالوا يتابعون تفاصيله حتى الآن.. ودهشت أن محطة خليجية قد انتهت من بثه قبل حوالي الشهرين وسط إقبال كبير على متابعة حلقاته.

وحتى الآن حينما تلتقي بالممثل المعتزل سلطان الشاعر تراه لا يتحدث عن عمل من الأعمال التلفزيونية والمسرحية التي أداها في حياته كما يتحدث عن «شحفان القطو»، تلك الشخصية التي اختارها ليسخر من مأساة «البخل» التي قلما خلا زمن من وجود أشخاص يشجعون عليها وينتسبون لها في حياتهم اليومية، ولكن الشاعر لم يكن همه تقديم عمل درامي عن البخيل.

بل أراد أن يحولها إلى كوميديا ساخرة، ووقف إلى جانبه في هذا المشروع رعيل من الفنانين الإماراتيين الكبار الذين يعتبرون من المؤسسين للدراما الإماراتية، وحينما فكر الشاعر بتقديم نفسه بهذه الطريقة للمشاهد لم يكن يقصد أن يمنهج الشخصية أو يقدم لها أبعاداً معقدة، كل ما هنالك انه اقتنع بأداء الشخصية وبحركتها داخل «الفريج» مع مجموعة من الشخصيات الأخرى، فما كان منه إلا أن أداها بحسه العفوي بإدارة المخرج المجتهد أحمد منقوش.

ونحن حينما نتحدث عن هذا العمل نتحدث عن العفوية والتلقائية في التمثيل والكتابة والإخراج، هذه العفوية التي تحض عليها مدارس التمثيل والفن في العالم، قدمها شباب حالمون بالفن وطامحون بالنجاح بعيداً عن نظريات تلك المدارس.

وحينما كتب الشاعر هذا العمل ظل يسأل طويلا عن تفاصيل البخل وعن سمات البخيل وطريقة تعامله مع الحياة ومع أصدقائه في العمل والبيت والحارة، وفي النهاية وصل إلى خلاصة أن محيطه يجب أن يسخر منه ويوقع فيه المقالب، ومن هنا كتب نصا مليئا بالمواقف الكوميدية التي تعتبر انجازا بلسان تلك المرحلة، في عالم النص التلفزيوني.

كل من حضر التصوير....يمثل! ومن طرائف ما يحكى عن «شحفان» كمسلسل أن مؤلفه وبطله في آن معا كان يعقد جلسات للاستراحة أثناء التصوير وإذ بأحد أصدقائه يمر عرضا ليطمئن عليه فيقول له «جئتنا من السماء تعال ادخل ومثل معنا»، وربما حدث هذا مع الممثل الإماراتي القدير سعيد بوميان كما حدث مع كثيرين في هذا العمل، وفورا يدخل الشاعر الممثل الجديد في جو الأحداث ويلقنه الحوار .

ويشرح له الدور، وهذا لا يحتاج في الغالب إلا لدقائق ومن ثم يخرج المشهد جاهزا، وأحيانا كان أحد الممثلين يزعل أو ينزعج لأنه لم يقل في مشهد طويل إلا جملة أو جملتين قصيرتين، وهنا كان سلطان يبادر إلى التخفيف عنه بإضافة جمل طويلة إلى مشهده التالي أو يعدل في المشهد نفسه وهكذا كان الجميع يخرج راضيا من موقع التصوير.التصوير..على كيفهم !

والأطرف من هذا أن التصوير لم يكن يجري طوال الوقت على مدار أيام، بل كان الشباب يصورون حسب مزاجهم أي يغيبون أسبوعاً مثلاً ثم يتصل سلطان ليقول للمخرج «ما رأيك هل نصور غدا؟»، وفعلا يتفقون على موعد لبدء التصوير بعد أن يبلغوا الممثلين والفنيين بالموعد، في وقت لم تكن قد عرفت فيه بعد العمليات الفنية الحديثة ما بعد التصوير، وذات مرة توجه الممثلون إلى أبوظبي للتصوير ففوجئوا بديكور مسلسل آخر قد جرى زرعه في المكان ذاته الذي اعتاد ممثلو «شحفان» تأدية أدوارهم.

فانزعج طاقم عمل «شحفان» من الأمر وكادوا أن ينصرفوا عن المسلسل لولا أن توجه الشاعر إلى المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وحكى له القصة فما كان من المغفور له إلا أن أمر باستكمال تصوير «شحفان» في المكان ذاته، وهذا يبرز من البداية اهتمام الراحل بالعمل الفني ودعمه للفنان الإماراتي كي يقدم فناً كبيراً.

وأيضا تعتبر من بين الذكريات الراسخة في مذكرة الشاعر تدخل الشيخ زايد في خاتمة العمل، وكان التعديل بأن يتحول «شحفان» إلى شخص كريم بعد أن ينفض عن كاهله غبار البخل، ويقول الشاعر في أحد حواراته: «استدعانا الشيخ زايد إلى قصره وطلب منا تعديل السيناريو بحيث يتحول شحفان إلى شخص كريم حسب القيم والعادات العربية النبيلة وبأن أخلاق العربي والبدوي يجب أن تنتصر في النهاية، إضافة إلى طلبه بأن يتضمن المسلسل مشاهد للبدو والصحراء وطبعا أوامر بوخليفة على العين والراس...».

جمال آدم