يبدو جلياً أن هناك علاقة قوية بين عشق الإنسان لتلاوة القرآن وحبه لأداء الموشحات والابتهالات الدينية وهذا الأمر يتضح من ميل كبار قراء القرآن الكريم إلى أداء الموشحات رغبة منهم في إشباع حاجة نفسية داخلهم، فما أجمل أن يسمع الإنسان منا دعاء بصوت الشيخ محمد رفعت أو ابتهالاً بصوت الشيخ الحصري، فإتقان قراءة القرآن تعطي لصاحبها القدرة والمهارة الفائقة على أداء الابتهالات والأناشيد الإسلامية، وهذا ما وجد جلياً في القارئ الجليل الشيخ سيد متولي عبدالعال، القارئ والمبتهل والمنشد، فها هو يصدح في ابتهال «لك الحمد».

ولد الشيخ سيد متولي عبدالعال بقرية الفدادنة مركز فاقوس بمحافظة الشرقية في 26 أبريل عام 1947م، لأسرة محافظة يعمل عائلها بالزراعة كبقية أهل القرية، حيث كان والده يتطلع إلى السماء داعياً ربه أن يرزقه ولداً بعد البنات الأربع، ليكون لهم رجلاً وملاذاً بعد وفاته، وكذلك كانت الأم في شوق إلى ابن يقف بجوار شقيقاته الأربع بعد رحيلها حتى تطمئن على بناتها بوجود أخ لهن يأوين إليه عند الشدائد ويجدنه بجوارهن دائماً، تأكيداً لرغبة الأم الشديدة في إنجاب غلام حليم دعت الله أن يرزقها الولد لتهبه لخدمة القرآن الكريم، ليكون أحد رجال الدين، وعاملاً بحقل الدعوة الإسلامية.

بعث الأمل

استجاب المولى لرجاء الوالدين ورزقهما بطفل ليبعث في نفسيهما الأمل، ويبث في قلبيهما السكينة والاطمئنان، بذلك عم الخير أرجاء البيت بمقدم الوليد وسهرت الأم ليلها ونهارها ترقب نمو ابنها متمنية أن تراه رجلاً بين عشية أو ضحاها، ومرت الأيام مر السحاب وتعاقب الليل والنهار وتوالت الشهور وبلغ الابن الخامسة من عمره، فأخذه أبوه وذهب به إلى كتّاب الفدادنة وقدمه إلى الشيخة مريم السيد رزيق، التي ستقوم بتلقينه الآيات والذكر الحكيم.

وتعاهد الاثنان والوالد والشيخة مريم على الاهتمام بالابن سيد متولي أدق ما يكون الاهتمام، ورعايته أفضل ما تكون الرعاية فتعاون البيت مع الكتاب وقدما العون للطفل ابن الرابعة حتى يتفرغ لحفظ القرآن ومراجعته وإجادة نطقه.

وجدت الشيخة مريم علامات النبوغ ومؤشرات الموهبة لدى تلميذها، فانصب اهتمامها عليه وعاملته معاملة متميزة، لتصل به إلى حيث تضعه الموهبة دون تقصير ولا يأس، فهي المحفّظة التي تخرج على يديها وفي كتّابها مئات من الحفظة، مما مكنها من معرفة إمكانات الموهوب، وكيف تثقل موهبته كملقنة لها خبرتها ونظرتها الثاقبة؟

يقول الشيخ سيد متولي عن هذه المرحلة: لولا الشيخة مريم وفضلها على ما استطعت أن أحفظ القرآن بهذا الإتقان، ومازلت أذكر محاسنها وإمكاناتها وأمانتها في التحفيظ والتلقين والصبر على تلاميذها وكيفية تعاملها مع الحفظة بطريقة تميزها على بقية المحفّظين.

بالإضافة إلى قناعتها بما كتبه الله، ولأنها كفيفة اعتبرت عملها رسالة ودعوة إلى الله، وكانت تردد لنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وعندما يتخرج في كتابها حافظ للقرآن كاملاً كنت تجدها أسعد من في الوجود، وكأنها ملكت الدنيا في قبضتها واقتربت من أبواب الجنة باعتبارها من ورثة كتاب الله عزل وجل.

كنز الدنيا

هكذا، عندما بلغ الفتى القرآني سيد متولي السادسة من عمره ألحقه والده بالمدرسة الابتدائية بالقرية، فلم ينشغل بالدراسة عن الكتّاب، لأن القرآن كنز الدنيا والآخرة، حيث عرف بين زملاء المدرسة، واشتهر بأنه قارئ للقرآن وسعد به المدرسون والتلاميذ، الذين قدموه لتلاوة القرآن كل صباح بالمدرسة، وكثيراً ما افتتح الحفلات، التي كانت تقام في المناسبات المختلفة، وفي هذه الآونة ظهرت عنده أيضا موهبة أداء التواشيح والابتهالات الدينية، التي عشق زملاؤه وأساتذته سماعها منه.

ظل التلميذ سيد متولي يتردد على كتّاب الشيخة مريم حتى أتم حفظ القرآن كاملاً وهو في سن الثانية عشرة، وأصبح قارئ القرية في المناسبات والمآتم البسيطة، وأحيا ليلة الخميس والأربعين، فنجح في ذلك بتفوق لأنه نال إعجاب الناس جميعاً، فأشار بعضهم على والده أن يذهب به إلى الشيخ الصاوي عبدالمعطي مأذون القرية، ليتلقى عليه علم القراءات وأحكام التجويد.

وخاصة أنه يجيد حفظ القرآن وتلاوته بصوت قوي وجميل، ولا ينقصه إلا دراسة الأحكام، وبالفعل استجاب الوالد لتوجيه المقربين إليه وذهب بابنه إلى الشيخ الصاوي، حيث علمه أحكام التجويد برواية حفص بإتقان مكنه من تلاوة القرآن بجوار عمالقة القراء.

لم يقتصر عطاء الشيخ الصاوي على الشيخ متولي عند هذا الحد، ولكن شاء القدر أن يبقى ذكر الشيخ الصاوي محفوراً بذاكرة الشيخ سيد متولي وكيانه، بعدما حصل متولي على المأذونية خلفاً لأستاذه الشيخ الصاوي، ليصبح الشيخ سيد قارئاً للقرآن ومأذوناً لقريته.

إضافة إلى كونه مبتهلا متميزا، إلا أن حب الشيخ لتحصيل علوم القرآن وحرصاً منه على التمكن من كتاب الله ذهب طموح الشيخ سيد به إلى قرية العرين المجاورة للفدادنة، ليتعلم علوم القرآن والقراءات على يد الشيخ طه الوكيل، فوجد اهتماماً ورعاية وأمانة واتقاناً وحرصاً من الشيخ الوكيل شجعه على الاغتراف من علمه، وأثقل موهبته بما تلقاه من علوم قرآنية على يد هذا العالم الجليل.

مشوار الشهرة

وبعد ذلك كله، ذاع صيت الشيخ سيد متولي في محافظة الشرقية وانهالت عليه الدعوات من كل أنحاء الشرقية، وبدأ يغزو المحافظات الأخرى المجاورة لإحياء المآتم وكثيراً ما قرأ بجوار مشاهير القراء الإذاعيين أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ البنا والشيخ عبد الباسط والشيخ حمدي الزامل والشيخ السعيد عبد الصمد الزناتي.

وعن مشوار الشهرة، يقول الشيخ سيد متولي: «لما بلغت العشرين عاماً ذاع صيتي ووصلت شهرتي إلى كل المحافظات المجاورة لمحافظة الشرقية، ودعيت لإحياء المآتم الكبرى بجانب مشاهير القراء، فلم تأخذني الرهبة لأنني تعلمت على يد واحدة من أفضل محفظي القرآن، وهي الشيخة مريم، التي مازلت أذكر بالفخار أنها أستاذتي ومعلمتي، وفي البداية لم أنظر إلى الأجر الذي لم يتعد جنيهاً واحداً عام 1961م وعام 1962م.

وفي عام 1970 دعيت لإحياء مأتم كبير ففوجئت بوجود المرحوم الشيخ محمود على البنا، فسعدت بأنني سأقرأ بجواره في سهرة واحدة، ولو لم أحصل على أجر، فإن سعادتي كانت أعظم. ويواصل: بعد عام 1980م وصلت شهرتي إلى المحافظات وامتدت في نفس العام إلى خارج مصر، فذاع صيتي في بعض الدول العربية والإسلامية من خلال تسجيلاته على شرائط الكاسيت التي جعلتني أشهر قارئ خارج الإذاعة.

واستطعت أن أتفوق على كثير من قراء الإذاعة من حيث الشهرة وحب الناس لي، ويرجع ذلك إلى إمكانياتي المتعددة صحياً وصوتياً، حيث أتمتع ـــ الحمد لله ـــ بأحبال صوتية قوية جداً وطول في النفس بغير شهيق وصوت رخيم عريض جميل، إضافة إلى قدرتي على التلوين وفهم معاني كلمات القرآن».

الالتحاق بالإذاعة

لم يلتحق الشيخ سيد متولي إلى الآن بالإذاعة المصرية، لكنه قام بتسجيل القرآن لبعض الإذاعات العربية والإسلامية، إضافة إلى تسجيلات المتنوعة من ابتهالات وأناشيد إسلامية تلك التي تذاع بالأردن وإيران وبعض دول الخليج، وهو في ذلك ينافس بقوة مشاهير القراء الإذاعيين وخاصة بعدما دخلت تسجيلاته كل بيت.

وفي متناول كل يد وخاصة السيارات والمحلات المنتشرة في أكبر ميادين المدن الكبري، إلا أنه يؤكد أنه آن الأوان للتقدم لاختبارات الاعتماد بالإذاعة، داعيا الله أن يوفقه، ليستطيع أن أخدم القرآن الكريم من خلال الإذاعة، التي تدخل كل بيت داخل مصر وخارجها، والإذاعة صاحبة فضل على كل قارئ أو منشد أو مبتهل مشهور.

سافر الشيخ سيد متولي إلى كثير من الدول العربية والإسلامية والإفريقية، لإحياء ليالي شهر رمضان وتلاوة القرآن الكريم بأشهر المساجد هناك وإحياء الليالي والاحتفالات، وله جمهوره المحب لصوته وأدائه في كل دولة ذهب إليها، وهذا الحب والقبول أعز ما حصل عليه الشيخ سيد متولي على حد قوله، وخاصة إيران والأردن ودول الخليج العربي.