تظل كل محاولة لرسم صورة بانورامية لحياة مسلمي بريطانيا بعيدة عن الحد الأدنى من التكامل ما لم يتم التعرض لجانبين محددين لا يفتقران إلى الصعوبة ولا التعقيد، الجانب الأول يدور حول المشاركة السياسية لمسلمي بريطانيا ومدى فعاليتها وتأثيرها في حياتهم وحياة المجتمع البريطاني عموما، والجانب الثاني، هو مدى التوفيق الذي كللت به محاولات المسلمين لتجاوز العراقيل والمشكلات التي يواجهونها في مختلف مراحل النظام التعليمي البريطاني، وهي عراقيل ومشكلات ليست بالهينة ولن تختفي بالتأكيد من تلقاء ذاتها، كما أنها تنتمي إلى نوعية المشكلات التي لا سبيل إلى علاجها إلا بسياسة النفس الطويل.
في الجانب الأول، يكاد يكون هناك إجماع في صفوف المراقبين للحياة العامة لمسلمي بريطانيا على ان ثلاثة تطورات ألقت بظلها الطويل في السنوات الأخيرة على مسلمي بريطانيا وتركت تأثيرا بالغ القوة في تشكيل تجربتهم السياسية.وهذه التطورات هي كالتالي:ـ سلسلة الملابسات التي واكبت إصدار رواية سلمان رشدي سيئة الصيت «آيات شيطانية».ـ انتخاب حزب العمال البريطاني وتشكيله للحكومة في 1997.ـ نشأة تنظيم القاعدة وأحداث الحادي عشر من سبتمبر والتفجيرات التي شهدتها لندن ومدريد ومدن أخرى.
تطور مؤثر من بين هذه التطورات الثلاثة، وخلافا لما قد يتوقع المرء، فإن التطور الأول هو الذي كان له التأثير الأطول مدى والأكثر بقاء، حيث أدى الجدل الذي واكب صدور «آيات شيطانية» لروائي كان محسوباً على المسلمين الهنود في بريطانيا إلى تشكيل المجلس الإسلامي البريطاني، وأفضى وصول حزب العمال البريطاني إلى السلطة إلى انتخاب أول مسلمين يشقون طريقهم إلى مجلس العموم وتعيين مسلمين للمرة الأولى أيضا في مجلس اللوردات، وتمويل المدارس الخاصة للمسلمين من الأرصدة الحكومية ويلاحظ أن مجلس المسلمين البريطاني.
وجماعات ضغط أخرى، قد شن حملة ناجحة لإدماج سؤال عن الدين في الاحصاء السكاني الوطني. والإجابة على هذا السؤال تطوعية، ولكنه سمح للمرة الأولى في بريطانيا بتعداد دقيق إلى حد كبير للمسلمين، ومنحهم الإحساس بالثقل والأهمية الجماعيين.غير ان المسلمين لم يجمعوا على الترحيب بإدراج هذا السؤال عن الهوية الدينية في أسئلة التعداد السكاني الوطني البريطاني، ويرجع هذا إلى حرص البعض على عدم وضع الحكومة يدها على بيانات متعلقة بالمعتقدات الدينية، التي يعتبرها الكثيرون من خصوصياتهم، وبالتالي لا علاقة له بالشأن العام الذي هو مناط اهتمام الحكومة. كما ان السؤال الخاص بالدين أثار بعض القلق عند غير المسلمين، ومصدر هذا القلق هو المفهوم القائل ان المسلمين بتعريفهم لنفسهم في المقام الأول كأعضاء في جماعة دينية محددة إنما يوجدون مسافة فاصلة بين أنفسهم وبين غير المسلمين.
قضية مركبة هذه القضية ليست بالبساطة التي تبدو بها للوهلة الأولى، حيث أن لها في بريطانيا اطارا مرجعياً أوسع نطاقاً، فالتعددية الثقافية في بريطانيا حددت تقليدياً على أساس الأصل العرقي. وقد كان هناك البعض من داخل اليسار العلماني والقائمين بالحملات المعادية للعنصرية الذين أحسوا بأن المطالب بالاعتراف على أسس الهويات الدينية، التي ينظرون إليها على أنها مسألة شخصية، هي تحديات للمجتمعات العلمانية، وهي تفتح الباب لما نظروا إليه على أنه أصولية دينية.
أيا ما كان الأمر فإن عاصفة الاحتجاجات التي واكبت صدور «آيات شيطانية» في 1989 أدت إلى اتحاد العديد من الجماعات التطوعية في حملة استهدفت في البداية خطر الكتاب، ثم المطالبة بقوانين تمنع نشر هذه النوعية من الكتب المسيئة مجدداً،.
وتجعل من غير القانوني توجيه اساءة إلى المسلمين أو الهزء من دينهم، تماما مثلما هي الحال بالنسبة لقوانين حظر التجديف التي ينظر إليها على أنها تحمي الجماعات المسيحية في بريطانيا.طالب المسلمون أيضا بإصدار قوانين جديدة تحميهم من التمييز ضدهم في العمل. غير ان جوهر الجدال كان يدور حول رغبتهم في الاعتراف بهويتهم على نحو واضح وصريح.
غير ان حكومة المحافظين التي كانت في السلطة آنذاك رفضت قبول هذه الطروحات، فبعض الوزراء لم يرغبوا في حظر الرواية، ولم يقتنعوا بأن هناك أدلة كافية على التمييز الديني ضد المسلمين بحيث تحتاج إلى قوانين جديدة، كما أنهم أحسوا بالإحباط حيال اضطرارهم للتعامل مع مجموعات عديدة، غالبا ما كانت منقسمة، تعبر عن المسلمين.
ولهذا قال مايكل هوارد وزير الداخلية البريطاني آنذاك إنه قد يكون من المناسب أن يشكل قادة الجالية الإسلامية الذين قدموا لمقابلته نوعاً من التنظيم يكون بمثابة المظلة الشاملة التي تمثلهم، وقد كان هذا من العناصر العديدة التي أسفرت عن تشكيل المجلس الإسلامي البريطاني في 1997.
ولا يختلف المجلس الإسلامي البريطاني كثيرا عن أي مجموعة ضغط أخرى سواء في هيكله أو منهاج عمله.
وعلى الرغم من انتقاده للعديد من جوانب السياسات الحكومية إلا أنه يعمل من قلب مؤسسات الديمقراطية البرلمانية، وهو في جوهره اتحاد يضم 400 مجموعة محلية وقومية، ويجرى انتخابات دورية وتنظم عمله مجموعة محترفة محدودة العدد بالإضافة إلى الكثير من المتطوعين للعمل العام، وتسيطر عليه بشكل أساسي المجموعات المناوئة للقوى الاستعمارية ذات الاصول العائدة إلى الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
ضغوط هائلة
غير انه ما من منظمة واحدة تستقطب كل الآراء داخل الجالية الإسلامية في بريطانيا بالنظر إلى تعددها الكبير، ولهذا نجد منظمات أخرى بارزة مثل الندوة الإسلامية البريطانية، وهي شبكة تضم 300 مسجد وجماعة وتنظيم شبابي، وهي في معظمها جماعات اختارت ألا تنخرط في نشاط المجلس الإسلامي البريطاني.
ويتزامن تكوين المجلس مع عودة حزب العمال البريطاني إلى السلطة في 1997 حيث أجرى أعضاء المجلس اتصالات مكثفة مع الحزب قبل هذه الانتخابات وأسفر ذلك عن موافقة الحزب على العديد من المطالب التي طالما طرحها المسلمون، وقد أعطى الحزب للمسلمين فرصة للتمثيل داخل البرلمان والحكومة لم يعرفوها منذ المفاوضات على استقلال الهند عن بريطانيا.وقد شهدت الفترة المنقضية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وانفجارات السابع من يوليو في لندن ضغوطا هائلة في العلاقات بين قادة مسلمي بريطانيا والحكومة البريطانية.
وقد عقدت الحكومة البريطانية اجتماعاً مع القادة البارزين عقب أحداث يوليو، وهو ما أفضى إلى تشكيل مجموعة عمل عرفت باسم «منع التطرف سويا» أو اختصاراً «بي.اي.تي»، حيث اجتمع 100 من القيادات والفعاليات الإسلامية في بريطانيا لبحث سبل تلبية احتياجات مسلمي بريطانيا وسبل تقليص المخاطر المستقبلية المتعلقة بأعمال العنف والإرهاب ومحاولة البعض الربط بينها وبين الإسلام. وشملت المقترحات تشكيل هيئة استشارية قومية للائمة والمساجد تنسق مع الحكومة وتقدم أفضل النصائح حول إدارة المساجد وتدريب الأئمة.
غير ان بعض الجماعات الإسلامية رفضت المشاركة في «بي. إي.تي» لأنها رأت فيها مجرد نشاط في اطار العلاقات العامة أريد به اقناع الرأي العام بأن الحكومة تسيطر على الأقليات.
<مشاكل التعليم
يتوازى التعقيد في ميدان التعليم بالنسبة للمسلمين في بريطانيا مع التعقيد في مجال العمل العام، غير ان من يتعرضون للجانب الأكبر من المتاعب في مجال التعليم هم من الصغار والشبان المسلمين.وتبذل جهود مكثفة لتمكين أبناء المسلمين في بريطانيا من مواجهة تعقيدات النظامين الاجتماعي والتعليمي على السواء. فمن الثابت احصائيا، على سبيل المثال، أن عدد المسلمين المودعين في سجون بريطانيا قد تضاعف فيما بين عامي 1993 و2000.
وفي هذا الصدد تبرز الجهود المبذولة في تحسين الاتصال والثقة بين المدارس والآباء. ويبرز في هذا المجال المشروع المعروف باسم «ريز» الذي نفذ في يوركشاير والذي دعيت في اطار المنظمات المعبرة عن الجماعات الإسلامية للتعاون مع المدارس في تحقيق تواصل أفضل بين هذه الأخيرة والآباء.ومن ناحية أخرى أعطيت الأولوية لتحسين الارتباط بين التعليم في تياره الرئيسي وما يتم تدريسه في المدارس الملحقة بالمساجد.
ووفقاً لاحصاء عام 2001 فقد كان في بريطانيا 371 ألف طفل مسلم تتراوح أعمارهم بين 5 سنوات و16 سنة، وكان هناك 20 ألفا منهم في 130 مدرسة تشرف عليها جمعيات خيرية إسلامية وفي الوقت الحالي فإن خمساً من هذه المدارس تتلقى مساعدات من الدولة.ومن المؤكد ان هذه الصورة في المجالين العام والتعليمي لا تزال بحاجة إلى دفعات أقوى بكثير لم تتحقق بعد.
كامل يوسف حسين


