القرآن الكريم كتاب سماوي أنزله الله تعالى على الرسول صلى الله عليه وسلم، ليكون البرهان والدليل على كل المسلمين، ففي هذا الكتاب النجاح والفلاح من كل أذى، كتاب فيه تذكرة تقديسه واجب على كل مسلم وذلك لأن الله تعالى أوصى المسلمين بتلاوته وإتباعه وتسجيل كل فصوله.

ولكن الملاحظ في السنوات الأخيرة أن هناك من التجار من يستغلون آيات القرآن في الإعلان والترويج لسلعهم غير عابئين بقدسية هذا الكتاب، وهذا ما يراه بعض من رجال الدين متاجرة بكتاب الله وسموماً تقدم للمستهلك باسم الدين وآخرون يجيزونه بشروط . د. عبدالحكيم الصعيدي الأستاذ بجامعة الأزهر يقول: القرآن الكريم هو كلام الله الذي أنزله على رسوله، ولابد على المسلم أن يحترمه ويضع نصب عينيه أن هذا الكلام غير قابل للاستخفاف أو الاستغلال بهدف تحقيق عائد مادي.

ويمكن للإنسان أن يأخذ من القرآن ما يناسب من دعائه مثلاً إذا كان مريضاً كقوله تعالى (فإذا مرضت فهو يشفين)، كذلك إذا كان يريد قضاء حاجة كالإنجاب مثلاً, فالقرآن حافل بالأدعية التي أعطاها الله لنا عندما نحتاج إليها لنرددها كثيراً تقرباً منه لذلك فأنا مع اقتباس بعض الآيات القرآنية على شرط أن يكون الموضوع محترماً لا يقصد استغلال كلام الله ويكون محاطاً بالرعاية الكافية للتأكد من مصداقيته. ويضيف: اعتقد أن الترويج باستخدام القرآن سيساعد في ذكر الله كثيراً ولكن بضوابط معينة، ولكن مع الأسف ان المصداقية انكسرت في دنيا الناس، وعلينا أن نتعامل بالواقع الذي نعيش فيه وهو الاهتمام بالمادة فقط، وعلى الربح من هذا الإعلان بمعنى أنني لست ضد اقتباس القرآن في الإعلان لكني لا أفضله.

كتاب هداية ويرى د. مصطفى الشكعة المفكر الإسلامي أن الله جعل لنا في القرآن الكريم آيات وأدعية كثيرة للشفاء كذلك في الحديث الشريف وأنا لست ضد استخدام آيات الله عز وجل للإعلان عن شيء يفيد البشر كعسل النحل مثلاً، إذا كان هذا المنتج له أساس وثبت علمياً جودته لكني ضد التجاوز واستخدام كلام الله في أشياء ليست واضحة المصدر لأن كتاب الله ليس كتاباً طبياً لكنه كتاب هداية وإعجاز وأسلوب حياة للمؤمنين.ويذكر أنه صادف مواقف تنطبق على الحديث النبوي الشريف »ماء زمزم لما شرب له« فكان هناك طبيب مصري يعمل كمدير لأحد المستشفيات بالسعودية أصيب بمرض في بصره.هذا المرض يجعله يفقد البصر في شهور فنصحه أصدقاؤه من الأطباء أن يترك عمله لخطورة الخطأ في مهنته، لكنه رفض إلى أن تركوه لفترة ثم ذهبوا إليه مرة أخرى فوجدوه يزاول عمله وهو في أحسن صورة وعينه بحالة جيدة جداً وعندما سألوه قال لهم: »قطرت عيني بماء زمزم عند كل صلاة بنية الشفاء حتى استجاب الله وشفاني«.

وتؤكد د. آمنة نصير الأستاذ بجامعة الأزهر أن هناك عدة تطاولات تعرض لها كلام الله بداية من استخدامه في بعض الإعلانات للدعاية عن أدوية أو منتجات غذائية أو استخدام النص القرآني والنبوي داخل المصاعد ورنات التليفون وهذا كله هراء ولا يليق بالنصوص الإسلامية ويجب على هؤلاء التجار الذين أدخلوا هذا النوع على النصوص الدينية وهو قول حق يراد به باطل وهو نوع من التدين بعيد كل البعد عن التدين.

وتضيف: هي تجارة رخيصة أضعها في خانة المراهقة الفكرية لأن للأسف من يقوم باستخدامها يستخدمها بشكل لا يرقى إلى أدب التعامل معها، ومع النص الإلهي ومن ثم أود أن أتوجه لمن يستغلون كلام الله بأنهم يسيئون له ولديننا، فهل أصبح كلام الله عبارة عن إعلان نشاهده للمتاجرة في سلعة ما وهل وصل بنا الحال إلى ذلك؟ فعندما أضع رنة الموبايل آية من آيات الله عز وجل وتقف الرنة عند نصف الآية ولا تكملها هل هذا يليق به؟ كذلك القرآن الذي يستخدم في المصاعد ويتوقف المصعد قبل انتهاء الآية فهذا لا يتفق تماماً مع قراءة النصوص القرآنية، وأهيب بمن يمثل هذه الأشياء أن يقفوا عن هذا الرياء واستخدام الدين فيما لا يرقى بقدسيته.

متاجرة بالقرآن

د. عبدالمعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية يقول: إن استخدام القرآن والمقدسات لترويج سلع بهدف تحقيق مكسب مادي دنيوي حرام ولا يليق باستخدام القرآن الذي أوصانا الله بتلاوته وإتباعه لا للمتاجرة به ومن يقم بهذه الأعمال ينطبق عليهم قول الله تعالى »يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً«، كأنهم يستهترون بآيات الله تعالى والمسلم الحقيقي يستخدم آيات الله تقرباً منه وابتغاء مرضاته لا لأغراض دنيوية.

ويقول المفكر الإسلامي د. عبدالصبور شاهين: من يقوم باستخدام القرآن الكريم في دعايته لأحد المنتجات لا يعتبر حراماً, ولكنه يدخل في إطار غير المناسبة، لأن القرآن ليس أداة دعاية وإعلان بل كتاب كريم له قدسيته وعلى المعلنين أن يبتعدوا كل البعد عن النص الإلهي أثناء الإعلان عن الأدوية التي ليس له أساس كأنما نقول للناس ابتعدوا عن الطب والأطباء وكونوا أطباء أنفسكم مما يعرض الكثير للمخاطر ويمكن أن يؤدي إلى إحداث فوضى علاجية باسم القرآن, وأنا أرفض هذه الفكرة تماماً حتى ولو كان الإعلان عن منتج جديد.

ويقول المفكر الإسلامي جمال البنا: استخدام القرآن الكريم في الدعاية لا يجوز مطلقاً لأن الله تعالي أراد به الهداية ولم يرد به سلعة أو تصرفات معينة وأعتقد أن مثل هذه الإعلانات تعتبر أسوأ صور الاستغلال لأنه يعتمد على خداع البسطاء الذين تنطلي عليهم أقواله. ويرى أن هذا كله يعود إلى الجهالة، وأنه بالرغم من أنه ضد الرقابة على أي عمل لأنها تفشل في التأثير عليهم يقول: نتيجة وجود اتجاهات ومعايير للقنوات الإعلامية اليوم إلا أنني أنادي بالتوقف عن أعمال تسيء لديننا وتؤثر على صورته.

في حين نحتاج الآن إلى النهوض بعقول الناس وأن نستخدم كلام الله في الاستفادة به في حياتنا وكيف نراعي الله في رزقنا, وأعني عندما نستخدم كلام الله نستخدمه في قضية مهمة مثل الزكاة والصدقة بدلاً من إعلانات الدواء.

ظاهرة مرفوضة

د.صلاح العدل عضو مجمع البحوث الإسلامية يري أنه من المعروف منذ القدم أن الإنسان بطبيعته لديه فطرة التدين وحب الله لذلك نجد البعض يستغلون هذا السلاح للمتاجرة في التأثير على الناس بالإعلان عن سلعته لاعتقاده بثقة الناس في كلام الله وهذه ظاهرة مرفوضة واعتبر أصحابها ما هم إلا دجالون ومخادعون.

ويطالب بضرورة نشر الوعي والعلم بين الناس بأمور الدين حتى لا يصبحوا فريسة سهلة لكل دجال يروج لسلعته الباطلة سواء لعلاج الأمراض المستعصية كما يزعمون أو غيرها، وأقول للناس: هذا إفك وبطلان يدل على عدم احترام عقلية المشاهدين.

ومع الأسف أن هناك طائفة كبيرة من العوام نصدقهم ونعطي لهم الفرصة في الاستقرار في هذا الهراء، ولذلك يجب أن تكون هناك رقابة من الهيئات الصحية على هذه الإعلانات، لأنها عبارة عن ترويج لسموم تقدم للناس باسم الدين والعلاج، أما إذا كان المنتج الطبي أو الغذائي له شهادات طبية وبراءات اختراع معتمدة من الممكن الاستعانة بالنص القرآني أو النبوي ولكن بلا تجاوز.

د.أحمد طه ريان الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر يقول: اقتباس بعض النصوص الشرعية من آيات الله وسنة رسوله في أمور تنفع المسلمين لا بأس به, على سبيل المثال مثل تجارة عسل النحل فيستعين التاجر بكلام الله كنوع من التدعيم لسلعته لذكر عسل النحل وشفاء العديد من الأمراض في كتاب الله لكن المرفوض هو استغلال النصوص القرآنية لفكرة ليست في صالح المسلمين، فنحن لدينا ما يفيد المسلمين ويحثهم على استخدامها لكن إذا كانت الفكرة ليست لصالحهم فهذا لا يجوز، هكذا فالمقياس هو الهدف من هذا الاقتباس إذا كان خيراً أم شراً.