منذ عشرات السنين رست الكثير من سفن البحارة على سواحل مشيخات الساحل المهادن كما كان يطلق على دولة الإمارات من قبل، وزارها العديد من الرحالة الأجانب على اختلاف مشاربهم ومقاصدهم وأهدافهم التي قدموا من أجلها إلى هذه البلاد، ودونوا مذكراتهم، وتركوا انطباعاتهم ورحلوا، ومنهم من جاب السواحل.

ومنهم من توغل في أعماق الصحراء، السطور التالية تحمل بعضاً من آثار تلك الرحلات.اهتم الرحالة البريطاني برترام توماس بموضوع لهجات القبائل من الناحية اللغوية Philology حيث درس لهجات قبائل الشحرة والمهرة والبطاحرة والحراسيس، بل وأعد جدولاً خاصاً بهذه اللهجات يتألف من 500 كلمة لكل منها. كما استخلص بضع قواعد لغوية بسيطة، وأرجع أصول هذه اللهجات إلى المجموعة السامية. ويذكر ان هذه اللهجات لها جذور أساسية في اللغة الحبشية أكثر مما في اللغة العربية على حد قوله.وهنا أيضاً يستشهد بآراء للغويين متخصصين حيث يفصل الأمر بالقول في هذا المجال «فالفصائل القبلية التي تتكلم لغة الشحرة هي قبائل القرا والشحرة وبورحمة وبيت الشيخ، واللهجة المهرية تتكلمها قبائل المهرة، ولهجة البطاحرة تتكلمها قبائل البطاحرة، ولهجة الحراسيس تتكلمها قبائل الحراسيس وعفار..

وبالنسبة للهجة الشحرية فلا يفهمها الذين يتكلمون اللهجات الأخرى ويصعب التفاهم بينهم، ولم أكن أعرف من قبل بأن الدكتور ماكسمليان بتنر عالم اللغات الألماني قد تعرض إلى موضوع اللهجتين الشحرية والمهرية.وذلك في سياق تعليقه على المعلومات التي سبق ان جمعها الدكتور موللر في كل من حضرموت وسومطرة خلال رحلته إلى شبه الجزيرة العربية سنة 1902 ثم حول ما جمعه الكونت لاندبرج.. عن رحلته إلى المنطقة خلال 1899ـــ 1989 ويبدو ان لهجة الحراسيس والبطاحرة تختلف عن لهجة المهرة ولكن لم يقم أحد بالبحث في هذا الموضوع».

وتحدث عن «الختان» كعادة من العادات ذات الأهمية البالغة عند قبائل المنطقة حين سأله بدويان: هل تمارسون يقصدان الانجليز الختان؟ يقول فرددت عليهما بالإيجاب, ولكني قلت ان الختان ليس إجبارياً عندنا. فقالا: معنى هذا ان هناك بعض الأشخاص لم تجر لهم عملية الختان؟ فرددت عليهما بالإيجاب.. وهنا قال محدثاي «غفر الله لكم» ثم يضيف توماس معقباً على كلام سائليه، «يعتبر الختان من العادات ذات الأهمية البالغة بين هذه القبائل ويختلف عنه في أنحاء شبه الجزيرة العربية, الأمر الذي يوحي بأن للختان جذوراً تكاد تكون مستقلة».

ثم يورد وصفاً لطقوس عملية الختان، وكيف وأين تجرى، والغريب أنه يقارن بينه «كعادة» وما كان متبعاً في مصر في العصور القديمة، ثم يصف الاحتفالات المصاحبة لهذه المناسبة, ولكنه لا يأتي أبداً على المسألة ربط عملية الختان بالدين الإسلامي ولا يتطرق إليها ولو تلميحاً.

كما ذكر بعض معتقدات القبائل حول السحر ورد العين الشريرة وطرق عدم الإصابة بها، فيذكر أن «هناك اعتقاداً بين سكان القرى الساحلية بأنه عندما يبني أحدهم بيتاً فإن أول شيء يفعله عند بناء البيت هو دق مسامير طويلة في الأركان الأربعة منه بقصد رد العين.

وعندما يتم بناء البيت يقوم صاحبه بذبح خروف على عتبته كقربان يحفظ البيت من الشر ويديم لأهله الخير، وذلك على غرار ما نفعله نحن في الغرب عندما تسكب زجاجة من النبيذ عند تدشين البواخر. وفي بعض مناطق عمان يقوم صاحب البيت بعد الانتهاء من بنائه بذبح ماعز ورش شيء من دمها عند عتبة البيت.

وهذا التقليد معمول به في ظفار أيضاً, وان كان يختلف في تلك المنطقة بعض الشيء حيث تجرى العملية في أثناء بناء المنزل، وليس عند الانتهاء منه، ويوزع لحم تلك الماعز على عمال البناء، وأما الدم فيرش بطريقة عشوائية على جدران المنزل».

«كما تكسر بيضتان عند عتبة البيت وبيضتان أخريان على السلم ومثلهما على السطح», وما زالت إلى اليوم الدراسات والبحوث حول هذه المواضيع المرتبطة بمعتقدات وعادات الشعوب من قبل الانثروبولوجيين والفلكلوريين، ويمكن ان نذكر هنا أهم المواضيع التي تطرق إليها توماس ودونها في كتابه «العربية السعيدة» والذي يعد سفراً يكاد يكون شاملاً.

حيث لم يحوِ فقط ما يمكن ان نطلق عليه وصف خط سير الرحلة، بل هو مجموعة من البحوث والاستقصاءات والاستطرادات تدخل في صلب تاريخ منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية، ومن أهم تلك المواضيع يمكن ان نجد إضافة لبعض العادات والمعتقدات المرتبطة بالسحر والزواج والختان فقد تطرق إلى موضوع.

الأضرحة ومواقعها، وأكثر القبائل خبرة بالطرق التي تؤدي إلى الرمال، وعنايته ببعض النقوش والخطوط على بعض الصخور التي صادفها، خيمة الرحالة وأجهزته، وحياة الجمل في الصحراء، وذكره لأهم الأودية ووصفها، كما تحدث عن البدوي ومقدرته على حل ألغاز الصحراء، كما استعان كما ذكرنا بمعلومات أو بآراء أوردها رحالة سابقون أمثال ويمان بيري وبيرتون وفون ريد وغيرهم.

ويمكن وصف أسلوب توماس في تسجيله لمشاهداته بأنه أسلوب علمي ووصف أيضاً من قبل روبن بيدول بأنه «أسلوب متكلف»، ويفتقر إلى اللمسات الفنية والأدبية التي تذكر برومانسية وشاعرية الصحراء لكنه يبقى أسلوباً عن منطقة الربع الخالي وقبائله وعادات وتقاليد ومعتقدات تلك القبائل وجغرافية المنطقة وآثارها.

وبعدما يتحدث المؤلف عن فصل الغوص في البحر بحثاً عن اللؤلؤ، يكمل القول وبتلك النبرة نفسها بنبرة المسؤول السياسي المرافق لموكب السلطان وكأحد أفراد الحاشية:«وجلس جلالة السلطان ورفاقه معي على الشاطئ. وقضيت ساعة في قراءة كتاب لرحالة اسمه «بلجريف» وهو انجليزي، من أصل يهودي، ثم حل الظلام، فتوقفت عن القراءة، وأنا أشعر ان بلجريف هذا هو من أحسن الرحالة الذين ظهروا في الجزيرة العربية، وهو أروع من كتب في أدب الرحلات عنها.

وأمضينا تلك الليلة في استرخاء تام على الشاطئ، نستمع إلى بعض الغناء، ونشاهد الرقصات التي كان بعض العبيد والبدو يؤدونها، كما تبادلت مع جلالة السلطان بعض الفكاهات، وسمعنا أصوات الجياد تملأ الهواء، وطلقات المدافع من فوق الحصن تبعث بتحياتها إلينا».

عمار السنجري