لماذا كان نمط الحياة يتغير خلال تلك الأيام من العام؟

سؤال لم يشغل به نفسه كثيراً، لا هو ولا غيره من الأطفال الذين هم في مثل سنه، فقد كان كل ما يشغل بالهم هو هذا التغيير الذي كان يحدث في نمط الحياة، غير مبالين بالأسباب لأنها لا تقع في دائرة اهتمام من هم في هذه المرحلة من مراحل العمر.

كان أكثر ما يلفت انتباههم هو هذا الانقلاب الذي يحدث في الوقت، حيث يمتلئ الليل حيوية ويضج بالحركة على خلاف بقية الأيام، منذ أن يرفع أذان المغرب معلناً انتهاء النهار، وحتى ساعة متأخرة من الليل. لم يكن من المعتاد أن يسمح الأهل لأبنائهم بالمكوث خارج البيت إلى وقت متأخر في غير هذه الأيام من العام.

حيث كان أذان المغرب حداً فاصلاً يجب أن يعود عنده الصغار إلى بيوتهم، أما في هذا الشهر الكريم فإن التأخر إلى ما بعد صلاة التراويح بوقت معقول إلى حد ما يصبح مقبولاً لدى الأهل، وتصبح ممارسة بعض الألعاب الليلية خلال هذا الشهر واحدة من معالم هذه الأيام التي يتمنى هو وأقرانه أن تطول، لولا أنها تمر سريعاً حتى لا يكادون يشعرون بانقضائها.

عندما يعود إلى تلك الأيام حيث لم تكن برامج التلفزيون تحتل كل هذه المساحات التي تحتلها من حياة البشر، قبل أن يدخل التلفزيون إلى البيوت، وفي بداياته الأولى عندما كان إرساله يصل من خارج الحدود متقطعاً، تبعاً لظروف الطقس وحظهم من الرطوبة التي تساعد على وصول إرسال محطتي «الكويت» و«أرامكو» قبل أن يعرفوا محطات «الكويت من دبي» و«أبوظبي» ثم «تلفزيون دبي الملون» كما كان يطلق عليه في بداياته.

يحاول أن يتذكر في أي مرحلة من العمر بدأ الصيام فيكاد يجزم أنها مرحلة مبكرة جداً من العمر. ربما كان يحاول أن يقنع نفسه بقدرته على التحدي، وربما كان صياماً متقطعاً يكتمل يوماً وتنفصل عراه أياماً، لكن المؤكد أنها كانت سناً مبكرة جداً لا يستطيع كسر رقمها أبناء هذه الأيام المدللون رغم كل وسائل الراحة المتاحة لهم.

ما الذي تبقى من ذكريات تلك الأيام وما الذي لم تعد الذاكرة قادرة على استعادته؟

ربما تبدو الصورة غائمة إلى حد ما، لكنها لم تفقد كل معالمها لأن بعض المعالم تكتسب قيمتها من خلال قدرتها على البقاء، ومن خلال الأثر الذي تتركه في الوجدان، والغذاء الذي تمد به الروح لتجرد الأشياء من شكلها الظاهري.

وتكسبها من القيم المعنوية ما يضعها في مرتبة الخلود داخل النفوس، لتبقى محلقة في تلك العوالم التي ترتفع قيمتها كلما نأت بنا الأيام عنها وأصبحت حلماً لا يمكن العودة إليه بشخوصه الذين غابت وجوه بعضهم عن مسرحه، وعاداته التي تغير الكثير منها واختفى وسط الحشود التي تقاطرت على هذه الأرض لتغير الكثير من معالمها حتى عادت مسخاً لا نعرف له ملامح تعبر عن الهوية التي كانت يوماً مصدر اعتزاز أهلها.

أما تلك الطقوس التي يستذكرها كلما هلت هذه الأيام الكريمة فقد قضت عليها قوانين الحداثة التي فرضت نفسها على كل شيء في الحياة ولم تستثن هذا الشهر الكريم من شهور العام الأخرى التي لا تشبهه.

يتساءل عما إذا كان هو استثناءً أم أن هناك من يستشعر هذه المعاني مثله فيأتيه من الأصوات ما يجعله يشعر بالأمان والسكينة، ويعيد إليه هدوء نفسه وسط هذا السيل الهادر الذي يكاد يقتلع كل المعاني الجميلة من جذورها ليلقي بها في واد سحيق، ملغياً كل ما اختزنته الذاكرة من تلك المعاني والصور التي يستمد منها زاده، ويستقيم بها ظله، وتكتمل بها سعادة روحه.