قد لا تختلف ذكريات الكاتب أسامة أنور عكاشة الرمضانية عن تلك المشاهد، التي صورها بقلمه في أعماله الدرامية في «ليالي الحلمية» أو «الشهد والدموع» أو «أرابيسك»، والتي كان يحاول من خلالها أن يعيد ذكرياته الجميلة حول شهر رمضان الكريم أو يقدم صورة واقعية وحية عن هذه الذكريات، التي يحملها من مرحلة الطفولة إلا أنه في هذه السطور.

والتي يتحدث فيها عن ذكرياته في رمضان يبتعد كثيراً عن لغة الإشارة والرمز في العمل الدرامي،قائلاً: رمضان الذي عشناه في طفولتنا هو رمضان الحقيقي، والذي افتقدته فيما بعد، فرمضان بالنسبة للطفل يعد شهراً للبهجة والانطلاق والمرح.وأذكر أنني عندما كنت أعيش في القرية كنا نقف بالقرب من المساجد وننتظر سماع الأذان لننطلق بعدها لتناول الإفطار. وبعد ذلك يتجمع كل أطفال القرية ونحمل الفوانيس ونظل نلهو بها في انتظار المسحراتي لنبدأ معه الطواف في كل أنحاء القرية، وهو يوقظ الناس وينادي عليهم بأسمائهم، التي يعرفها جيداً كما هو الحال في أي قرية صغيرة من قرى مصر زمان.وتظل في ذاكرتي دائماً صور الاحتفال الجماعي بهذا الشهر.

والتي كانت تتكرر يومياً طوال أيام رمضان فنادراً ما كانت تتناول الأسرة طعام الإفطار وحدها، بل يجتمع عدد كبير من الأسر المتجاورة، وتخرج صواني الطعام من البيوت ليجلس الجميع علي الحصر المفروشة لتناول الإفطار الجماعي وتبادل الحكايات.وينقلنا صاحب ليالي الحلمية إلى مرحلة أخرى من ذكرياته الرمضانية، فيقول:

عندما كبرنا ودخلنا في مراحل التعليم أصبح رمضان مرتبطاً أكثر بالمذاكرة والامتحانات، خاصة وأن توقيته كان يسبق الامتحان بقليل، وقد ارتبطت ذكريات هذه الفترة «بالراديو»، والذي كان هو الصلة الوحيدة بمظاهر الاحتفالات خارج البيت، الذي كنت أعتكف فيه بسبب الاستعدادات للامتحانات.

وكنت أجد متعتي في سماع قصص ألف ليلة وليلة، التي كان يكتبها «طاهر أبو فاشا» أو فوازير الإذاعة التي كتبها بيرم التونسي، أما في الجامعة فالوضع مختلف.

حيث يبقى من ذكريات رمضان تلك السهرات الجميلة التي كنا نقضيها في «قهوة الفيشاوي»، والتي كانت كثيراً ما تمتد حتى «أذان الفجر» وكان أجمل ما فيها ارتباطها العميق بأحياء القاهرة القديمة بما تمثله من تاريخ وتراث تختلط بالبهجة والروحانية للشهر الكريم، والتي تنعكس في صوت الأذان والابتهالات والأدعية، التي كانت تتردد في المساجد والبيوت.

ويتوقف أسامة أنور عكاشة عن سرد شريط الذكريات ليقول: لقد تغيرت الكثير من الملامح الرمضانية فأصبح الناس يسهرون أمام التلفزيون في منازلهم وتغير معنى العائلة، الذي كنا نراه قديماً في رمضان، فأصبح يقتصر علي الأسرة الواحدة الأب والأم والأبناء بعدما كان معني العائلة هو البيت الكبير وأشعر به كما كنت أراه وأشعر به في طفولتي، مسترجعاً نفس المعاني الجميلة، التي كنا نحملها في طفولتنا بهذا الشهر الكريم.